لو كان هذا الوجود موصولاً بمقبس لقطعته فوراً ودون تردد…

أخيراً….
بعد سنوات طويلة من إنكار الحقيقة التي بدت في وقتها مفزعة، والتشبث بما كنت أسميه “الموقف الإيجابي من استمرار الوجود” خلصت إلى أن الألم لا ينتهي إلا بنهاية اللذة أيضاً، والأذى لا ينتهي فقط بنهاية المؤذي بل بنهاية ما يمكن أن يقع عليه الأذى…
وما أهمَّ الفرق بين أن تعرف الطريق وأن تمشيه… مورفيوس لم يكن مخطئا حين قال ذلك…

حين كتبت عن الموقف من استمرار الوجود قبل اثني عشرة سنة، كنت مستعداً لقبول التخلي عن كل شيء، سوى شيء واحد هو الحب وذكريات من أحببناهم… وكنت أتظاهر أيضاً أن ثمة شيء آخر لا أستطيع أن أتخلى عنه، وهو مجاملة غيب ما، غيب شخصي لا يطيق فكرة أن ينتهي الوجود، غيب لم يكترث أحد أن يسأله عن مشاعره، بل اكتفى الكل هنا بتقديم القرابين له وطلب رضاه وتجنب سخطه…

كنت كاذباً في ذلك مثل الآخرين، ولي عذري… ولعل ذلك الغيب بحرصه على استمرار الوجود يؤلم نفسه بنفسه…
واليوم مختلف …
اثنتا عشرة سنة لم تغير شيئا هناك…
ولعلها لم تغير الكثير في العالم نفسه
لكن بالنسبة لي أنا الذي عشت تسعة وثلاثين عاما، كانت تلك الاثنتا عشرة سنة رحلة شديدة…
هي لم تجردني من الحب، ولا من تمني الاحتفاظ به… لم تجعلني أكثر قسوة…. لكنها جعلتني أتقبل أخيراً أن المحب والحبيب وكل ما كوناه معا من ذكريات، هو كله تيار من الوعي لن يلبث أن يتفكك مثل كل شيء آخر…
هل الحقيقة موحشة؟
حتماً
هل هناك من مفر؟
اليوم أدركت أنه لا مفر…
لقد كان خطاب الدموع لبوذا Assu Sutta ماثلاً أمامي طوال تلك السنين، ولكن كان مجرد الاقتراب منه يفزعني…

الآن أتناوله بكل حزن نبيل…
*
قال المبجل لمريديه:
لا تُعرف لهذه السمسارا بداية. ولا تُرى نقطة أولى للكائنات التي تتنقّل وتدور فيها، محجوبة بالجهل ومقيّدة بالرغبة.
ما رأيكم، أيها الرهبان؟ أيّهما أكثر: الدموع التي سالت منكم خلال هذا الزمن الطويل من التجوال وتكرار الولادة، وأنتم تبكون وتنوحون بسبب اجتماعكم بما تكرهون وفراقكم لما تحبّون، أم الماء في المحيطات الأربعة؟
فأجاب الرهبان:
بحسب فهمنا للتعليم الذي قدّمه المبارك، فإن الدموع التي سالت منّا خلال هذا الزمن الطويل من التجوال وتكرار الولادة، بسبب اجتماعنا بما نكره وفراقنا لما نحبّ، أكثر من الماء في المحيطات الأربعة.
فقال:
أحسنتم، أحسنتم، أيها الرهبان. لقد أحسنتم فهم التعليم الذي قدّمته لكم.
إن الدموع التي سالت منكم خلال هذا الزمن الطويل، وأنتم تبكون وتنوحون بسبب اجتماعكم بما تكرهون وفراقكم لما تحبّون، أكثر من الماء في المحيطات الأربعة.
لطالما عانيتم موت الأم. وإن الدموع التي سالت منكم حين عانيتم موت الأم، وأنتم تبكون وتنوحون بسبب اجتماعكم بما تكرهون وفراقكم لما تحبّون، أكثر من الماء في المحيطات الأربعة.
ولطالما عانيتم موت الأب… وموت الأخ… وموت الأخت… وموت الابن… وموت الابنة… وفقد الأقارب… وفقد الثروة…
ولطالما عانيتم المصائب بسبب المرض. وإن الدموع التي سالت منكم حين عانيتم تلك المصائب، بسبب اجتماعكم بما تكرهون وفراقكم لما تحبّون، أكثر من الماء في المحيطات الأربعة.
ولماذا؟
لأن هذه السمسارا لا تُعرف لها بداية…
وهذا كافٍ، أيها الرهبان، لكي تزول فتنتكم بكل الأشياء المشروطة، وينطفئ تعلّقكم بها، وتتحرّروا.
***
ولطالما كان يفزعني أن أسمح لنفسي أن أتقبل خطابا كهذا… كنت أشعر أنني بقبولي له لا أخون فقط ما اتوهم أنه “أنا”، بل أخون كل أولئك الذين أحبوني وقدموا لي كل العطف، أولئك الذين يتوقعون مني أن لا أتخلى عنهم، وأن أتتبع مصيرهم، ولا أرضى بفراق أبدي لا نلتقي بعده أبدا…
كتبت في ذلك الوقت مقالا متمردا على الحقيقة التي أخشاها، عنونته ب “دفاعا عن الحب المشروط”…

قلت في آخر ذلك المقال، وبكل براءة تتمسك بما هو متحرك أصلا ولا يسعني القبض عليه:
…. لكنني أتمرد على ذلك … بكل ما فيّ من ضعف أتمرّد على أن تكون هناك نهايات مطلقة … وأتمسّك بحب الشخص … نفس الشخص … للأبد… لا أتمسك بالأنا قدر تمسّكي بحبّ الآخر الشخص …
لقد عرفت ذلك قبلها بسنوات …
كتبت سنة 2012 “هل يمكن أن نصبح أنا وأنت والآخرون.. أنا فقط“….
لم تكن فكرة أنني سأحب آخرين تعزّيني. كنت أريد هؤلاء، بتفاصيلهم التي لا تصلح بديلاً عنها أي تفاصيل أخرى. ذلك الصوت، وتلك الطريقة في الضحك، والأشياء الصغيرة التي لا يعرف أحد سوانا لماذا تعنينا.
كنت أفهم أن الحب قد يتكرر، لكنني لم أكن أطلب تكراره. كنت أطلب بقاء الذين أحببتهم.
ولعل هذا ما كان يجعل الكلام عن وحدة الوجود بارداً في بعض الأحيان. فما يعزّيني في أن نكون جميعاً شيئاً واحداً، إذا كنت سأفقد إلى الأبد الطريقة التي كنتَ بها أنت، والطريقة التي كنتُ بها أعرفك؟
لم أكن بحاجة لقراءة كلمة واحدة عن الشيفاوية الكشميرية، ولا لمشاهدة حلقة جامحة من ريك أند مورتي مثل “roy a life well lived” التي جاءت بعدها بعشر سنوات في 2022

كان يكفي أن أتجرد حتى النهاية، وأتأمل بمنتهى الإخلاص كي أفهم…
كنتُ هناك، في ذلك المطلق، مجرد وعي لا انفعال فيه ولا توق لشيء… وحدي ……. بلا أي نقص،،، بل أي ضعف،، بلا أي هدف،، بلا أي آخر….
فأردت أن أجرب كل شيء…. أردت أن أجرب أن يكون هناك آخر
فنعّمت صوتي،، وسمعت الأنثى،،، وخشّنته،، فسمعت الذكر…. شعرت بالحياة
وقسمت نفسي بعدها إلى مناظير كثيرة كل منها يشعر أن له “أنا”، ولأنه يبدأ بذاكرة بيضاء، فكان ذلك دخولا في تجربة النقص… تجربة اللذة وتجربة الألم….
لقد وصلت إلى ذلك قبل وقت طويل جدا من اطلاعي على ما ورد في بريهادارانياكا أوبانيشاد الهندوسية عن ازدواج النفس الكونية والبشرية:
في البدء، كان هذا كلّه آتمن وحده، في هيئة إنسان. فنظر حوله، فلم يرَ شيئًا غير نفسه. وكان أول ما نطق به: «أنا هو». ومن هنا صار اسمه «أنا»
وأخذه الخوف؛ ولذلك يخاف المرء حين يكون وحيدًا. ثم فكّر: «إذا لم يكن ثَمّة غيري، فممَّ أخاف؟» وعندئذٍ زال خوفه؛ فممَّ كان سيخاف؟ إنّما ينشأ الخوف من وجود ثانٍ.
لكنه لم يكن يجد سرورًا؛ ولذلك لا يجد المرء سرورًا وهو وحيد. فرغب في ثانٍ.
وصار بحجم رجل وامرأة متعانقين. ثم شطر ذاته هذه إلى شطرين، فنشأ منهما زوجٌ وزوجة.
كما أنني ذكرت في مقال “معنى الجسم البشري” الذي نشرته سنة 2013:
إن الجسم هو طريقة المطلق لخوض تجربة الضعف … فالجسم هو ضعف غرضه التمييز (بين الشهود) … وذريعته الجمال…. لماذا ينكمش المطلق الذي لا يمكن تعريفه بشكل .. (فهو فوق الأشكال) .. إلى التعريف بشكل محدود؟.. إنه يخرج بغرض خوض المعاني … خوض الحب .. وتحقيق الاحتمالات …
جربت الحياة … جربت النباتات والكائنات الدقيقة … ثم جربت الحيوانات…. جربت أن أفترس وأن يتم افتراسي…. جربت أن أكون قائد القطيع وجربت أن أكون منبوذا ….
لكن الإنسان….
هنا وصلت إلى أقصى درجة هربت فيها من وحشتي الأزلية…. لقد تجرأت وأدخلت النطق إلى التجربة…
كان ذلك قمة الجرأة، وقمة الظلم لنفسي…
فالإنسان واع بشكل مؤلم جدا جدا جدا …..
وأنا لم أترك لنفسي فرصة سهلة للخروج من التجربة….. وضعت آليات تضمن استمرارها من خلال الكارما ….
هل كان ذلك ذكيا؟ بالتأكيد؟
هل كان ضروريا؟
الآن ومن هذا المنظور أقول لنفسي:
لماذا … لماذا كان كل ذلك ضروريا؟
كنت أخشى أن يكون الحب نفسه غير كاف…

وأنا اليوم أتجرأ لمواجهة ذلك الخوف….
ولو كان الوجود موصولا بمقبس لسحبته منه بلا تردد….
لو كان بوسعي أن أتذكر كل تلك الحيوات التي عشتها، كل أولئك الذين كانوا بالنسبة لي كل شيء، وكنت لهم كل شيء، وسار بعدها كل في سبيله في هذه الدورة الطويلة….
لو كان بوسعي ذلك فقط…
لفهمت موعظة الدموع بعمق وعيي، لا بعقلي فقط….
وما كان ليهون علي أحد منهم، كما لا يهون علي الآن أحد ممن أنا متعلق بهم …
ولكن كل شيء يتحرك، كل شيء يمضي… ولا جدوى من المقاومة
فأنا لم أخلق هذه المناظير لتستمر إلى الأبد… ولا يسعها ذلك…
كم واحدا ممن أحببتهم تلاشى إلى تيار النيرفانا…. وكم منهم سأسبقه أنا إلى هذا المصير فيما يواصل هو أو تواصل هي مسيرتهم بين الألم واللذة والفقد المستمر والغنى والفقر والذكورة والأنوثة….
لكن تذكر تلك الحيوات ليس شرطا..
أنا لم أضعه شرطا للخروج من هنا…
بوذا تذكر حيواته ليلة استنارته. وهل هذا امتياز أم ألم مضاعف قبل الرحيل؟
هل هو الclosure اللازم لإقفال الستارة؟ لا …. لم أجعله شرطا للاستنارة والخروج
حين تركت العرش وانغمست في هذه التجربة داخل كل هذه المناظير التي يطحن بعضها بعضها، ويعشق بعضها بعضا، ويقتل بعضها بعضها…. تركت جزءا مني على العرش
وهذا الجزء ليس مثل الإنسان… هناك أنا أقلّ صلة بألم البشر ومعاناتهم ،،،، تبدو لي معاناتهم غير حقيقية بما يكفي، لأنني هناك لا أشعر بالحياة وإن سميت نفسي “الحي”.
وإذا كانت المناظير كلها لي، فإن آلامها لا تصبح أقلّ حقيقة لهذا السبب. لا يحق لي من فوق أن أصف ما أعيشه من تحت بأنه أمر هيّن، أو درس، أو تفصيل عابر في تجربة أوسع.
قد يكون الزمن قصيراً من جهة العرش. لكن الدقيقة التي ينتظر فيها إنسان خبراً عن ابنه ليست قصيرة من جهته. وربما كان هذا وحده كافياً لمراجعة حكمة العرش: أنه يعرف نهاية الحكاية، ولا يعيش انتظارها كما يعيشها أصحابها.
كيف أكون عالماً بكل شيء، ثم تفوتني هذه الدقيقة؟
لهذا فالجزء الجالس على العرش حريص على أن لا تنتهي هذه التجربة، وأنا هنا أقول له: رفقا بنا، ورفقا بنفسك…
رفقاً بالذي يخاف الفراق، وبالذي لم يعد يحتمل الخوف، وبكل من يبحث عن طريقة يحبّ بها دون أن يقضي عمره يتدرّب على الفقد.
لقد قطعتَ في هذه التجربة شوطا طويلا طويلا طويلا طويلا طويلا ….
ما الذي تبقى
كم مرة يجب أن يخاض الأمل ومن ثم الفقد… كم مليون مرة يجب ان نفرح بتكون المولود ثم نبكي عليه حين يصل إلى الاحتضار… كم مرة علينا أن نحب ثم نفقد كل من أحببناهم
كما حرباً أخرى تبقت؟
كم دمعة طفل ستنزل؟
كم من القهر تبقى؟
وربما لم أكن بحاجة إلى المحيطات الأربعة كي أفهم اعتراضي.
دمعة واحدة تكفي لكي أسأل عما فعلناه بصاحبها. لا أريد أن أخبره، من مكان آمن، أن ألمه كان ضرورياً لاكتمال صورة لا يستطيع رؤيتها. ولا أعرف كيف يمكن لنهاية سعيدة، مهما تأخرت واتسعت، أن تجعل ما حدث له جديراً بأن يحدث.
قد أفهم يوماً كيف وقع كل ذلك. لكن الفهم وحده لن يكون جواباً عن سؤال الرحمة.
لطالما كنتُ توّاقاً إلى الحرية…. ولكنني كنت أهرب منها…. الحرية التي تتحقق بإطفاء التعلق حتى يسعنى أن أنطفئ ولا أعود، بدت حرية باهتة…
ولكنها هي الحرية، ولا شيء سواها…
وإذا جفّ هذا البحر يوماً، فلن أطلب دمعة أخيرة كي أثبت أنني أحببت.
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق