أقدّم أخيراً هذه القصة كما تُقدَّم الذكريات التي طال إخفاؤها: بهدوء، وبشيء من التردّد.
كتبت فصولها على امتداد ثماني سنوات. حيث بدأت أول سطر فيها في نوفمبر 2018، دون أن أعرف أين ستقودني، وأغلقتها أخيرا في 09 يونيو 2026، لا لأنني وجدت الخاتمة، بل لأن الخاتمة هي التي وجدتني.
كانت الكتابة تتوقّف وتعود، ثم تتوقّف من جديد، كما لو أن القصة لا تُكتب بل تُشفى.
ولعلها في ذلك تُشبه مخطوط برونو شولتز الذي لم يُعثر عليه، أو تلك الأفلام التي لم يُكملها أورسون ويلز، أو لعلها تُشبه فقط كاتبها: رجلٌ حائرٌ، خائفٌ من النهايات، ويكتب كي لا ينسى، لا أكثر.

إهداء:
إلى الذين عرفوا ما لا ينبغي أن يُعرف، ثم عاشوا كأنهم لا يعرفون.
————————————————————–
الفصل الأول:
الحضرة الأولى
هل تتذكر أول مرة رأيت فيها وجه أمك؟

الذاكرة كما قال تاكاهيرو لا تبدأ حين نقرر نحن أنها بدأت. لا تبدأ مع أول صورة واضحة، ولا مع أول اسم، ولا مع أول بيت. تبدأ قبل ذلك بكثير، في العتمة الأولى، أو في الجسد قبل أن يعرف أنه جسد . الأرشفة التي توائم العالم الظاهر هي ما يجعل البدايات تبدو في طي النسيان، وهي مطوية ولكنها ليست منسية.
أنت لم تنس شيئاً ولن تنسى شيئاً، بل يمكن أن تستعيد كل شيء. ولكن هل ستحتمل أنت كل ذلك التدفق من المعلومات؟
كان كل شيء يقال كأنه يخص شخصا بعينه، ثم يتسع بعد لحظة ليصيب الجميع. ومع ذلك شعرت، منذ الجملة الأولى، أن وجهي انكشف في مكان ما لا أعرفه.
لو كنتُ محلّ تاكاهيرو- وهذا مجاز هائل- لسخرت من إجابتي السريعة له على ذلك السؤال بالتأكيد على أنني قوي وقادر على الاحتمال.
لقد تحطّم مركز ذاكرة رجلٍ ما إثر ضربة أصابت جمجمته، أو أن هذا ما ظنناه. وظننا أيضاً جميعاً أن ذاكرته تلاشت، ،ولكنّنا تفاجأنا، أو على الأقل بعضنا، أو ربما تفاجأت وحدي بما قيل في تلك الحضرة، وتفاجأت أكثر بما قيل وحدث بعدها.
لم يكن بين الحضور رجل متدين واحد. كانت في الحضرة امرأة واحدة فقط، وكانت تقرأ في الثيوصوفيا. قالت لنا بثقة: ذاكرته ليست هنا الآن، ولكنها لم تتلاش. كان ذلك مدعاة سخرية الجميع، خاصة شاب وسيم بين الحضور كان مقيم جراحة أعصاب، ولكنه كان مهذباً في الحقيقة ونصحها أن لا تتمسك بالأوهام. الرجل الفاقد للذاكرة كان يستمع للجميع وكانت لغته سليمة. أصابها شيءٌ ما، ولكنها كانت حاضرة. التفت إليها وقال: أريد أن أبحث عن ذاكرتي. ولكنها حذرته أنه حين يجد ذاكرته فهو لن يتفاعل معها كالسابق، من موقع الذي يخوض الشيء، بل من موقع الشاهد على الشيء. وشبهت الأمر بالاطلاع على محتويات فلاش ميموري.
قالت المرأة بثقة: “هناك قاعدة بيانات ما، طبيعتها ليست مادية بحيث يصيبها تحول وتلف الإنتروبي. من المغري تصوّر أن لفظ اللوح المحفوظ ينطبق عليها. هذه القاعدة تسحب المعلومات أولاً بأول من المادة إلى شيء لا يتحول. كل شيء يتخزن.”
كانت ساذجة بكل معنى الكلمة، وكان أسلوبها أمومياً يثير التعاطف. ولكن العجيب كان إحساساً قوياً جاءني بأن الكلام الذي كانت تقوله كان يُملى عليها من شخص آخر، لعله بين الحضور. وإما أن بينهما تخاطراً ما، أو أنه يتحكم في لسانها. وهنا حاولت أن أتذكر آخر مرة دخّنت فيها الماريوانا، وذعرت حين تذكرت أن ذلك مضى عليه شهر على الأقل.
سألها أحد الحضور ساخراً: ولكن إلى متى. هل سعتها غير محدودة؟
ثقة المرأة كانت مستفزة، ولهفة الرجل الفاقد لذاكرته كانت محزنة، وارتياب الطبيب كان محبطاً. فقط لا مبالاة تاكاهيرو كانت مريحة بالنسبة لي. وتاكاهيرو هو ماستر زن ، أو أنه اختار أن يبدو كذلك، كراهب بوذي تقريباً، وملامحه تخبرك حتى دون أن تصدر منه أي كلمة أو إشارة أنه متكيّف مع الإنتروبي على نحو مبهج وعجيب.
أما أنا فلم أكن مدعوّاً، بل متطفّلا. ولما كان الطرد من الحضرة ممنوعاً بقانونها، فقد كان عقابهم لي على ما يبدو هو عدم النظر إلي.
شعرت أن مروري لا يقطع الضوء، وأن تنفسي لا يغير هواء الغرفة. لم يلتفت إلي أحد. حتى حين تحركت قليلا، لم تتحرك أعينهم معي.
تاكاهيرو كان أكرم من الآخرين، فقد ساوى بيني وبين الجميع. ولعل شاعراً يابانياً قال شعرا يحمل نفس كلام الشاعر حين قال:
إني لأفتحُ عيني حين أفتحها …….على كثيرٍ ولكن لا أرى أحداً
تاكاهيرو كان ينظر إلينا ولكن بصره يتجاوزنا. وراودني يقين عجيب وكأنه إلهام من مكان ما بأن تاكاهيرو كان يعرف مكان ذاكرة الرجل المسكين ويخفي ذلك. ولكنني بالطبع لم أقل شيئاً. فلا أملك أن أكون متطفلاً وفوق ذلك مثيراً للمشاكل.
لم أشعر أنني دخلت مكانا بقدر ما شعرت أنني دخلت ترتيبا. كأن الغرفة لم تكن تحتوي الحاضرين، بل توزعهم على وظائف لا يعرفونها.
أيام لحسن الحظ أذكرها، أو أظن أنني أذكرها. أقاوم أرشفتها بأن أرويها. أضعها في جمل، والجمل في ملف، والملف في قرص ما، والقرص في خادم لا أعرف مكانه. نعم، السيرفر هو خادم، وقلما ننتبه إلى معنى الكلمة. خادم بعيد، بارد، مجهول، يحفظ للمعلومة هيئة من البقاء حين تفلت من الدماغ الحي، أو حين تنسحب من واجهته إلى الداخل، حيث لا نعود نفرق بين ما ضاع وما اختبأ.
لكن الرواية لا تحفظ الشيء فقط. أحيانا تستدعي شاهدا جديدا له. كأن الذاكرة، حين لا تجد صاحبها، تبحث عن عين تقرأها كي لا تبقى معلقة في العتمة.
والخادم لا يفهم ما يحفظه.
ولا يعرف، إذا طُلب منه أن يعيد شيئا، إلى من يجب أن يعيده. فالملف يعرف مكانه في الخادم، لكنه لا يعرف صاحبه. وهذه هي طمأنينة الأرشيف وقسوته في آن واحد: أنه يحفظ بلا نسب.
وهذا، ربما، هو الفارق المرعب بين الذاكرة والأرشيف.
الأرشيف يبقي الشيء موجودا.
أما الذاكرة، فتبقيه مطالبا بالعودة.
———————————————————–
الفصل الثاني:
الطريق قصيرة مع تاكاهيرو

انفضت الحضرة، أو لعلها انطوت.
خرج الجميع تباعا، لكنني لم أستطع أن أميز اللحظة التي صار فيها المكان خلفي. لم يكن الباب واضحا بما يكفي كي أقول إنني غادرته. كان الأمر أشبه بأن الحلقة التي كنا واقفين داخلها خفتت قليلا، ثم وجدت نفسي في الخارج، أرى ظهور الحاضرين وهي تبتعد في اتجاهات مختلفة.
تبعت تاكاهيرو.
كان يمشي ببطء شديد. هذا ما رأته عيني في البداية. كتفاه ساكنان، ورداؤه لا يكاد يتحرك، وقدماه تهبطان على الأرض كأن كل خطوة تحتاج إلى موافقة صامتة من العالم. لكنني حين قارنته بالآخرين الذين كانوا يمشون بسرعة طبيعية، وجدت أنه يسبقهم جميعا. كانوا يعبرون الطريق كما يعبره الناس، أما هو فكان ينتقل من موضع إلى آخر دون أن يتعجل.
كان بطؤه أسرع من سرعتهم.
راقبت مشيه قليلا، ثم اضطررت إلى خفض نظري. النظر إليه وهو يمشي كان يربك العين والعقل معا. شعرت أنني لو تابعت أكثر فسأفقد الثقة في فكرة الاتجاه نفسها.
أبطأت من مشيي حتى أصبحت بجواره. وما إن صرت على استقامة واحدة معه حتى تبدلت مشيتي. لم أعد أعرف هل أنا أمشي ببطء، أم أن الأرض تمضي بي بسرعة. كان الإحساس قريبا من أن تمشي داخل حافلة مسرعة: جسدك يتقدم بخطوات صغيرة، لكن المكان كله يندفع بك إلى جهة لا تخصك.
حاولت أن أتمسك بتفصيل عادي. نظرت إليه، ولاحظت أنه لم يكن أطول مني.
لا أعرف لماذا منحني ذلك شيئا من الثقة. ربما لأن الغرابة، حين تكون بطولك تقريبا، تبدو أقل قدرة على ابتلاعك.
لكنني شعرت فورا أنه قرأ هذه الفكرة الساذجة، تحديدا هذه الفكرة. قرأها كما يقرأ المرء رقما مضاء على شاشة. خجلت. ولعله قرأ خجلي أيضا، لأنه سارع، من فرط ذوقه أو من فرط قسوته، إلى إنقاذي من نفسي.
سألني بصوت دافئ وخافت:
“ما الذي أتى بك إلى الحضرة؟”
أشار بيده إلى الخلف دون أن يلتفت. كانت الإشارة صغيرة، لكنها جعلتني أنظر خلفي بلا وعي. لم أفهم لماذا أطعت يده بهذه السرعة. لم يكن خلفنا سوى طريق قصير، وبعض الضوء، ووجوه بدأت تفقد وضوحها. كدت أقول له: “أولم تعرف؟ وأنت الذي تقرأ الأفكار؟” لكنني شعرت أن جملة كهذه ستفتح بابا لا قدرة لي على إغلاقه.
قلت:
“أنا مهووس بالمستقبل. هارب من الماضي. جئت إلى الحضرة كي أرى. أريد أن أعرف ما سيحدث بعد أن أموت بمدة.”
وما إن قلتها حتى شعرت أنها جملة جاهزة أكثر مما ينبغي. كأنها خرجت مني، نعم، لكنها مرت أولا من مكان آخر.
تابع تاكاهيرو مشيه، ولم يبد عليه أنه استغرب. بدا كأن جوابي جاء في مكانه، لا لأنه صحيح، بل لأنه كان متوقعا منذ زمن.
قال:
“صاحبنا المصاب كان يبحث عن نفسه. لو كانت نفسه في المستقبل لطلب نبوءة كما تطلب أنت. لكنه يعرف، دون أن يعرف، أن نفسه في مكان آخر.”
“في ذاكرته؟”
“نعم. هو هناك حيث ذاكرته. دونها لا يصبح حرا كما يتخيل بعض الناس. يصبح خفيفا، لكن خفة بلا مركز. أنت تخلط بين الخفة والنجاة.”
سكت قليلا، ثم أضاف:
“أما أنت فلا تهرب من الماضي لأنه يؤلمك فقط. تهرب منه لأنه يشبهك أكثر مما تريد. المستقبل يريحك لأنه لم يطالبك بعد بأن تكون أحدا.”
لم أعرف كيف أجيبه. كان الطريق قصيرا، ومع ذلك شعرت أننا نمشي منذ وقت طويل. البيوت حولنا لم تتغير كثيرا، أو ربما تغيرت بطريقة ناعمة جعلتني لا ألاحظ. مررنا أمام واجهة زجاجية، ولمحت انعكاس تاكاهيرو فيها قبل أن ألمح انعكاسي. للحظة خاطفة، بدا كأنه يمشي وحده. ثم ظهر وجهي بجانبه متأخرا، كمن تأخر عن صورته.
سألته كي أهرب من تلك اللمحة:
“لماذا نشتاق إلى الماضي؟”
ابتسم، لا ابتسامة كاملة، بل تغير صغير في الضوء حول فمه.
قال:
“لأن ما تلاه صار معروفا.”
لم أفهم.
تابع:
“الماضي، حين يعود، لا يعود كما كان. يعود بعد أن نزعنا منه خوفه. في اللحظة نفسها كان ممتلئا بالقلق، بالانتظار، بسوء الفهم، بالاحتمالات. لكن حين نتذكره، نراه من جهة أخرى. ما حدث بعده صار معروفا، لذلك نمنحه دفئا لم يكن يملكه وهو يحدث.”
كنت أسمعه وأراقب الطريق في الوقت نفسه. كان كلامه لا يشرح الذاكرة بقدر ما يغير شكلها أمامي.
قال:
“لذة الماضي ليست أنه أجمل من الحاضر دائما. لذته أنه حدث فعلا. التخيل جميل، لكنه بلا ختم. أما الماضي فله ختم الحدوث. حتى لو كان مخلوطا بالوهم، حتى لو رتبه الدماغ من جديد، يبقى يحمل تلك الجملة السرية: لقد كان.”
توقفت عند كلمة “ختم”. لا أعرف لماذا. لم تكن كلمة غريبة، ومع ذلك لمعت في رأسي كرمز على ورقة لم أرها بعد.
قلت:
“لكننا لا نتذكره كما كان.”
“طبعا. لو تذكرناه كما كان لاحترقنا من التفاصيل. الذاكرة رحيمة أحيانا. تؤرشف الضجيج بعيدا، وتدفع إلى السطح صورة أخف. ليست أكثر صدقا بالضرورة، لكنها أكثر قابلية للحمل. الإنسان لا يستعيد الماضي كي يعرف فقط. يستعيده كي يستمر.”
كان هذا الكلام يمكن أن يكون محاضرة لو صدر من رجل آخر. من تاكاهيرو بدا كأنه وصف لطريقة تنفس. لم يكن يعلم، ولا يوعظ. كان يزيح غبارا خفيفا عن شيء موضوع أمامنا.
قلت:
“وهل استدعاء الذاكرة نوع من التأمل؟”
هز رأسه.
“التأمل أن تترك الماء يصفو دون أن تمد يدك فيه. الذاكرة شيء آخر. الذاكرة أن تمد يدك وتعرف أن الماء سيتعكر. لكنها أحيانا الطريقة الوحيدة لترى ما في القاع.”
قلت:
“وهل يجب أن نرى ما في القاع؟”
نظر إلي هذه المرة.
لم يلتفت بجسده، فقط انحرفت عيناه نحوي قليلا. شعرت أنه لا يرى وجهي، بل يرى خلف وجهي شيئا لا أملكه وحدي.
قال:
“ليس دائما.”
ثم عاد ينظر أمامه.
كان الطريق قد انتهى تقريبا. أو هكذا ظننت. وصلنا إلى مكان يشبه المكان الذي انطلقنا منه. نفس الضوء تقريبا. نفس الحافة بين الداخل والخارج. نفس الإحساس بأن شيئا حدث هنا من قبل أو سيحدث بعد قليل. التفت يمينا ويسارا، أبحث عن علامة الحضرة، عن الباب، عن البلاطة ذات الروبة الأفتح، عن الثريا التي كان يقف تحتها، فلم أجد شيئا.
اطمأننت قليلا. نحن تحركنا إذن.
لم نعد هناك، مهما كان هنا يشبه هناك.
وبدا الطريق كأنه لا يصل بين مكانين، بل يصلني بصورة عن نفسي لم أخترها تماما.
أردت أن أقول له ذلك، أو أن أسأله إن كانت الأماكن أيضا تحتفظ بذاكرتها. التفتت نحوه.
لم يكن بجانبي.
نظرت خلفي. لم يكن خلفي.
نظرت إلى الزجاج القريب، لعل انعكاسه يفضحه قبل حضوره كما حدث قبل قليل.
لم أر إلا الطريق.
لم يختف تاكاهيرو كما يختفي شخص من مكان. بل اختفى كما تسحب اليد خطا كان يصل بين شيئين.
ثم، بعد لحظة قصيرة من نظري إلى الزجاج، لم أكن متأكدا أنني رأيت انعكاسي أنا أيضا.
————————————————————–
الفصل الثالث:
سيزيف على درج بينروز

كنت في انتظار صدفة أخرى.
لم أكن أملك طريقة أفضل من الانتظار. حضرة من ذلك النوع لا تضع إعلانا في مكان عام، ولا ترسل دعواتها لمن يسأل عنها بصوت مسموع. لا بد أن الثغرة التي عبرت منها في المرة الأولى أغلقت بعد خروجي، ولا بد أن أهل الحضرة، إن كانوا قد لاحظوا وجودي أصلا، انتبهوا إلى الخطأ الذي سمح لمتطفل مثلي بأن يرى ما لا يخصه.
في الأيام الأولى لمت نفسي كثيرا. قلت إنني أضعت فرصة نادرة، وإنني كان علي أن أقول شيئا ذكيا، أو أظهر موهبة ما، أو أترك أثرا يجعل أحدهم يتساءل عني بعد انفضاض الحلقة. ثم خففت عن نفسي بفكرة أكثر قسوة: ربما لم يكن لدي ما يكفي كي يثير اهتمامهم أصلا.
كنت قد بدأت، مؤخرا، أكتشف أنني عادي.
لا أقصد عاديا بالمعنى الجميل الذي يطمئن الإنسان إلى اشتراكه مع الآخرين، بل عاديا بالمعنى الذي يجرح ذلك الطفل القديم في الداخل، الطفل الذي صدق كل كبير قال له إنه ذكي، ولامع، ومختلف. لم يكن ذلك الطفل يكذب. كان فقط يصدق بحرارة. وكان الكبار، في الغالب، يقولون الكلام نفسه لكل طفل حسن الجواب.
لكن ما شعرت أنني ضيعته حقا لم يكن الحضرة.
كان تاكاهيرو.
إذا كان تاكاهيرو قد أخفى فعلا ذاكرة ذلك الرجل، أو دلني مجرد وجوده على أن الذاكرة لم تكن في موضعها الطبيعي، فلا بد أن لديه مفاتيح أخرى. لم يكن مجرد حكيم علمته الأيام كيف يصمت. هذا النوع من الصمت لا يأتي من الحكمة وحدها. أحيانا يأتي من معرفة لا تصلح للكلام.
عدت في ذهني إلى المشهد مرارا.
لم يقترب تاكاهيرو من الرجل الفاقد لذاكرته. لم يلمسه. لم يهمس له بشيء. وقف عند مسافة بعينها، تحت الثريا تقريبا، فوق بلاطة كانت الروبة المحيطة بها أفتح قليلا من باقي البلاط. لم أنتبه لذلك في اللحظة نفسها، أو لعلني انتبهت ثم نسيت أنني انتبهت. لكن الصورة أخذت بعد ذلك تتضح من تلقاء نفسها، كأن الذاكرة لم تكن تستعيد المشهد، بل تعيد رسمه فوق ورق شفاف.
يداه كانتا ثابتتين في وضع غريب. مودرا ما، يصعب علي تذكرها كاملة. لم تكن صلاة، ولا إشارة، ولا حركة مسرحية. كانت شيئا بين القفل والمفتاح. أصابعه لا تشير إلى الرجل مباشرة، ومع ذلك بدا الرجل واقفا في مجالها، كأن بينهما خطا لا تراه العين.

الأغرب أن أحدا لم يسأله عن ذلك.
لم ينظر إليه أحد.
كان الطبيب مشغولا بإدانة الأوهام بلطف مهني. والمرأة الروحانية مشغولة بالقاعدة التي تحفظ كل شيء. وبقية الحضور موزعون بين الشك والفضول. أما تاكاهيرو فكان في المشهد كما تكون العلامة المائية في ورقة رسمية: لا تراها إن لم تبحث عنها، لكنها موجودة في أصل الورقة.
راودني سؤال بارد:
أيعقل أنني كنت الوحيد الذي رآه؟
حاولت أن أرفض الفكرة. ليس لأنها مستحيلة، بل لأنها تمنحني أهمية لا أثق بها. كنت قد تعبت من ذلك الفخ القديم: كل علامة غامضة تبدو للمرء كأنها اختارته، ثم يكتشف لاحقا أنها لم تكن تنظر إليه أصلا.
ومع ذلك، ظل السؤال قائما.
ربما لم يكن تاكاهيرو قد جاء إلى الحضرة. ربما كانت الحضرة هي التي حدثت حيث كان. ربما وقف الجميع، دون أن يعرفوا، حول موضعه. وربما لم يكن الرجل المسكين في وسط الحلقة لأنه أهم الحاضرين، بل لأنه وقف، أو أوقف، في مرمى المودرا.
لا أدري.
لكنني كنت أعرف شيئا واحدا: ذاكرة الرجل لم تضع من تلقاء نفسها.
كنت أستعيد نظرة تاكاهيرو. ذلك البصر الذي يمر من خلال الوجوه. كنت قد ظننت أنني فهمت شيئا من طريقته في المشي، ثم اختفى قبل أن أتأكد حتى من انعكاسي. الآن لم أعد أفكر في مشيه فقط، بل في المسافة التي وقف عندها، في البلاطة، في الثريا، في أصابعه، في احتماله البارد وهو يسمع امرأة ساذجة تقول ما قد يكون صحيحا دون أن تدري.
قررت أن أبحث عن المودرات.
فتحت الحاسوب في غرفتي الصغيرة على سطح البناية. كان الليل قد دخل في ثلثه الأخير، والمدينة تحت النافذة صارت كتلة من أصوات بعيدة لا يملكها أحد. كتبت كلمات متفرقة: مودرا، ذاكرة، زن، إخفاء، تنفس، جمجمة. ظهرت صور كثيرة لأيد هادئة، أصابع ملتفة، إبهام يلامس سبابة، كف مفتوح، كف مغلق. كلها بدت قريبة من شيء لا أستطيع تذكره.
ثم ظهرت صورة صغيرة في طرف الصفحة لختم دائري قديم. لم تكن لها علاقة مباشرة بالبحث، أو هكذا بدا. داخل الختم خط أسود ملتف حول نفسه، يمكن أن يكون تنينا إن كنت مستعدا لرؤية تنين في كل خط.
أغلقت الصورة بسرعة. لا أعرف لماذا.
وفي اللحظة نفسها، سمعت طرقا على الباب.
كان الطرق خفيفا، لكنه لم يكن مترددا. طرق شخص يعرف أن الباب سيفتح، سواء فتحت له أم لا.
تجمدت في مكاني.
مغترب يقيم على سطح بناية شاهقة لا يتوقع زائرا في ذلك الوقت. والسطح، على عكس ما يظنه الناس، ليس مكانا شاعريا. هو منطقة مهملة بين السماء والخدمات، بين خزانات الماء وأسلاك الغسيل وأطباق الالتقاط. من يصل إليه في ساعة كهذه لا يكون قد ضل الطريق.
انتظرت طرقا ثانيا.
لم يحدث.
بدلا من ذلك، تحرك المقبض.
انفتح الباب ببطء، ودخل الرجل.
عرفته قبل أن أفهم كيف أعرفه.
كان الرجل المسكين.
لكنه لم يكن مسكينا هذه المرة. كان حليقا، أنيقا، زكي الرائحة، يرتدي ثيابا لا تترك مجالا للشفقة. في وجهه هيبة واضحة، لا تشبه وجه الرجل الذي جلس في الحضرة كأنه يبحث عن اسمه في فم الآخرين. عيناه ثابتتان. صوته منخفض.
قال:
“أعتذر لاقتحام بيتك في هذا الوقت. الأمر لا يحتمل التأجيل. أنا من الشرطة، ونحن مضطرون لاستخدام سطح هذه العمارة تحديدا لمدة ساعة. لا يمكنك البقاء هنا أثناء العمل. انزل إلى الشارع، وسيعتني زملائي بك.”
ثم ربت على كتفي ووقف جانبا كي يسمح لي بالخروج.
لم أسأله عن اسمه.
لم أسأله كيف دخل.
لم أسأله لماذا يضع يده على كتفي كأنه يعرفني منذ زمن.
أطعته.
خرجت وأنا أشعر أنني لا أغادر غرفتي، بل أغادر نسخة من نفسي كانت لا تزال جالسة أمام الحاسوب، تحدق في صورة الختم الأسود.
لقد كان هو.
كيف عادت إليه ذاكرته؟ وهل عادت فعلا؟ ماذا حدث بين الحضرة وهذه اللحظة؟ هل كان الرجل الفاقد للذاكرة شرطيا طوال الوقت؟ وهل أخفى تاكاهيرو ذاكرته ثم أعادها؟ أم أنني كنت مخطئا من البداية، وصنعت من صدفة غريبة معبدا كاملا؟
كنت في انتظار صدفة، وجاءت.
لكن ما يأتي حين ننتظره لا يشبه الصدفة تماما. يشبه جوابا متنكرا.
نزلت إلى درج الطوارئ.
كانت البناية أعلى مما كنت أتذكر. أو ربما كان الدرج هو الذي طال. جدران إسمنتية باردة، ضوء شاحب يثبت في السقف كعين متعبة، ورائحة معدن ورطوبة وغبار. بدأت أهبط بسرعة، ثم خففت خطواتي. أردت أن أترك للساعة أن تمر، وأن أعود بعد ذلك إلى غرفتي، وأرى إن كان كل شيء لا يزال في مكانه.
بعد بضعة طوابق، توقفت.
لم أعد متأكدا أنني أنزل.
نظرت إلى قدمي. كانتا تتحركان إلى الأسفل، نعم. هذا ما تقوله الركبة، وما تقوله الجاذبية، وما تقوله العادة. لكن جسمي، في مكان أعمق من العادة، كان يشعر أنني أصعد. ليس شعورا رمزيا. كان إحساسا ماديا تقريبا. كأن كل درجة أهبطها تعيدني إلى السطح، إلى الباب المفتوح، إلى الرجل الذي طلب مني المغادرة.
حاولت أن أحسم الأمر بعقلي.
إذا كان الدرابزين إلى يميني، وأنا أدور بهذا الاتجاه، فأنا أنزل. أو أصعد. لا أعرف. تذكرت رسما قديما لدرج مستحيل، درج يمشي عليه الناس بلا نهاية ويعودون إلى النقطة نفسها.
تابعت النزول.
بعد دقيقتين، وجدت أمامي بابا كتب عليه “السطح”.
تراجعت خطوة.
لم يكن ذلك ممكنا.
فتحت الباب قليلا. رأيت ظلاما، وخط ضوء من بعيد، ورائحة الرجل الأنيق نفسها تتسرب من الفراغ. أغلقت الباب بسرعة، وواصلت النزول في الاتجاه الآخر. أو هكذا ظننت.
بدأت أراقب قدمي كمن يراقب دليلا في محكمة لا يثق بها. درجة، ثم درجة، ثم درجة. لكن الدرج لم يعد طريقا. صار آلة. كلما تقدمت عليه، شعرت أنه يطوي تقدمي خلفي ويعيده إلي في هيئة طابق جديد.
ضاقت مخيلتي.
لم أعد قادرا على تخيل البناية كاملة. لم أعد أرى في رأسي إلا الدرجة التي أقف عليها والدرجة التي بعدها. أما فوق وتحت، فقد صارا كلمتين بلا وظيفة. لو أكملت، ربما أصل إلى الشارع. ولو أكملت، ربما أعود إلى حيث لا ينبغي لي أن أكون.
قررت أن أتوقف.
جلست على درجة باردة، وضممت نفسي. كان معدن الدرابزين قريبا من وجهي، وفيه لمعان خفيف يشبه انعكاسا لم يكتمل. أغمضت عيني كي أهدأ. قلت لنفسي إن الأمر إجهاد لا أكثر. الخوف يعبث بالاتجاهات. الذاكرة، حين ترتبك، تخون الجسد.
لكن شيئا آخر كان يحدث.
بدأ رأسي يثقل. ليس ثقل النوم، ولا ثقل الدوار. كان كأن رأسي يمتلئ بماء أسود، أو كأن ضغطا من داخل الجمجمة يدفعني إلى الأسفل بينما شيء آخر يسحبني إلى أعلى. شعرت بانسحاب مفاجئ من العالم. الأصوات ابتعدت. الضوء صار أعمق. الدرجة التي أجلس عليها فقدت صلابتها.
ثم تدفقت إلى صدري مشاعر غريبة بالعودة.
ليست عودة إلى البيت. ولا إلى الطفولة. ولا إلى حضن أحد. عودة إلى مكان سابق على الأسماء. كأنني كنت جاثما في قاع بحر لم أعرف أنني فيه، وفجأة امتدت يد غير مرئية، سحبتني من شعري أو من ذاكرتي، رفعتني إلى سطح الماء، ثم قذفتني إلى بر كنت فيه من قبل.
وفي اللحظة الأخيرة، قبل أن أنفصل تماما عن الدرج، خطر لي خاطر لا أعرف إن كان لي:
ربما لم أكن أنزل.
ربما كان أحدهم يستعيدني.
——————————————————–
الفصل الرابع:
مواء داخل صندوق شرودنجر

لم أعد إلى الحضرة كما يعود المرء إلى مكان.
رأيتها تتكون أمامي ببطء، كأنها لم تكن محفوظة في ذاكرتي بل في جهة أخرى، وأنا لم أفعل سوى أن ألتقط بثها متأخرا. لم يظهر المكان دفعة واحدة. ظهرت أولا الثريا، ثم الحلقة، ثم الرجل المسكين في وسطها، متكئا كما كان، بعينين مفتوحتين على شيء لا يراه غيره.
كان الجميع هناك.
أو هكذا ظننت.
عددتهم هذه المرة. كانوا سبعة، دون الرجل المسكين، ودون تاكاهيرو. لم أكن قد عددتهم من قبل. في المرة الأولى كنت مشغولا بنفسي، وبوقاحة دخولي، وبمحاولة ألا أبدو متطفلا أكثر مما أنا عليه. أما الآن، فقد بدا المشهد مرتبا على نحو لا يسمح بالغفلة. كل شخص كان في مكانه كقطعة موضوعة داخل شكل هندسي لا أعرف اسمه.
المرأة الروحانية كانت هناك، قصيرة، ممتلئة، جميلة بطريقة سهلة التصديق. في وجهها ذلك الحنان الذي يجعل السذاجة تبدو أقل خطرا. كانت تتكلم مع الطفل.
الطفل! لم أكن قد انتبهت إليه حقا في المرة الأولى. افترضت، بتسرع عادي، أنه جاء مع أحد الحضور. شعرت حينها أن إحضار طفل إلى حضرة كهذه أمر سخيف، ثم نسيت سخافة الفكرة كلها. لكنني الآن عرفت، دون أن يخبرني أحد، أن الطفل جاء وحده. لم يكن تابعا لأحد. لم يكن فائضا عن المشهد. كان، بخلافي تماما، مدعوا.
كان أصغر الحاضرين، ومع ذلك كان أقلهم حاجة إلى تفسير المكان. الأطفال لا يملكون ذاكرة طويلة، لكنهم أحيانا يملكون حق دخول سابق على الأسماء.
كان في العاشرة تقريبا. حسن الوجه، ضئيل البنية، هش كشيء جاف يمكن أن ينكسر بين أصبعين. ومع ذلك كانت له عينان كبيرتان، متلألئتان، فيهما فضول لا يشبه فضول الأطفال وحده. كان ينظر إلى كل شيء كمن يتعرف إلى بيت سبق أن حلم به. يحوم حول المرأة الروحانية، يهمس لها بكلمات لا أسمعها، فتضحك له بابتسامة واسعة، مطمئنة، وربما غافلة.
قرب الطبيب الشاب وقف رجل قوي البنية، كث الشارب. كان يومئ برأسه موافقا على كل ما يقوله الطبيب، لكنه لم يكن يبدو تابعا له. على العكس، بدا الطبيب، بطوله وربطة عنقه وثقته اللطيفة، كأنه يستمد من موافقة ذلك الرجل إذنا بالاستمرار، أو كأنه يخافه. كانت العلاقة بينهما مقلوبة: الطبيب يتكلم، والرجل الصامت يمنحه حق الكلام.
خلف الرجل المسكين وقف رجل أنيق، ناعم، يرتدي نظارات رقيقة. لم يكن ينظر إليه بعطف، بل برقابة. كأنه موكل به، أو كأنه يعرف عنه شيئا لا يريد للآخرين أن يعرفوه. كلما مال الرجل المسكين قليلا، مال معه الرجل الأنيق بقدر لا يلاحظه أحد. كان ظله أقرب إلى الظل منه إلى المرافق.
ثم كان هناك الرجلان الجالسان.
جلس كل واحد منهما في جهة مقابلة للآخر. لم يسند أي منهما ظهره. كانا يميلان إلى الأمام، يكتبان في دفترين متشابهين، وينظران إلى كل شيء إلا بعضهما. ليس تجاهلا عاديا، بل تجنب محكم. كأن كلا منهما يعرف أن النظر إلى الآخر سيفسد شيئا في النظام.
على غلاف كل دفتر لمعت علامة صغيرة.
دائرة سوداء، وفي داخلها خط ملتف حول نفسه. لم يكن واضحا بما يكفي لأقول إنه تنين. لكنه لم يكن بعيدا عن ذلك بما يكفي كي أطمئن.
كان التناظر في المشهد هائلا. المرأة والطفل في جهة. الطبيب والرجل الكث الشارب في جهة. الرجل الأنيق خلف الفاقد. الرجلان الجالسان كمرآتين لا تواجهان بعضهما.
ذلك التناظر المهيب كان يوحي لي (وربما يوهمني) بأن ثمة معنىً.
أما الرجل المسكين في الوسط، فقد بدا لي وقتها مثل سؤال وضع في المكان الخطأ.
كان كل واحد منهم موجودا بقدر ما تؤدي وظيفته. فإذا توقف عن وظيفته، خفت وجهه قليلا.
أما أنا، فكنت حيث كنت دائما.
قريبا بما يكفي لأرى.
بعيدا بما يكفي كي لا يراني أحد.
حاولت أن أتحرك، لا لأقترب، بل لأتأكد أنني أملك جسدا داخل هذا المشهد. لم أسمع وقع قدمي. لم أشعر بثقل على الأرض. وحتى حين مر الطفل بقربي، لم يلتفت. مر من خلال الحيز الذي كان ينبغي أن أكون فيه، ولم يضطرب الهواء بيننا، كاحتمال لم يحسم أمره بعد. كأن شيئا في الغرفة لم يقرر هل أنا موجود أم غير موجود.
تاكاهيرو لم يكن غائبا.
كان هناك، لكن لا بالطريقة السابقة. لم يكن جسدا كاملا. كان سليويت داكن، ظلا واقفا تحت الثريا، في الموضع نفسه تقريبا. البلاطة تحته أفتح من غيرها. الروبة حولها باهتة كأنها احتفظت بضوء قديم. يداه مرفوعتان في المودرا التي عجزت عن تذكرها.
هذه المرة كنت على وشك أن أراها.
أصابعه كانت مرتبة في هيئة تشبه قفلا صغيرا. الإبهامان لا يتلامسان تماما. السبابتان تصنعان زاوية ضيقة. وبقية الأصابع مطوية كما لو أنها تخفي شيئا داخل الكفين. لم تكن المودرا تشير إلى الرجل المسكين فحسب. كانت تشير أيضا إلى شيء خلفه، أو داخله، أو في المسافة بينه وبين من يراقبه.
اقتربت بنظري.
كلما ركزت، اتسع الظل.
لم يعد تاكاهيرو واقفا في المكان. صار المكان واقفا داخله. الثريا، البلاطة، الرجل المسكين، الطفل، المرأة، الدفتران، حتى أنا، بدا كل شيء للحظة واحدة موضوعا داخل سواد هيئته.
ثم بدأ المشهد يتلاشى.
لا كما يتلاشى حلم عند الاستيقاظ، بل كما تنسحب صورة من جهاز لم يعد قادرا على تثبيتها. وجوه الحاضرين فقدت حدودها. الضوء صار حليبا باردا.
أدركت أنني في حلم.
لكن الإدراك لم يوقظني فورا. بقيت لثوان داخل الحالة المستحيلة: أعرف أنني أحلم، وأعرف في الوقت نفسه أن الحلم يعرف أنني أعرف.
ثم انسكب ماء على وجهي.
فتحت عيني.
كنت على حمالة إسعاف خارج المبنى. الهواء كان باردا، والفجر لم يكتمل بعد. فوقي سماء رمادية بلا قرار، وحولي ثلاثة رجال لا أعرفهم. كان الرجل المسكين واقفا أمامي، وفي يده وعاء خزفي أبيض. لا أعرف لماذا كان الوعاء أبيض إلى هذا الحد. بدا كأنه خرج من حلم آخر، أنظف من العالم وأغرب منه.
اقترب مني وسأل:
“أنت بخير؟”
أومأت برأسي. لم أكن أعرف إن كنت بخير، لكنني كنت أعرف أن أي جواب آخر سيأخذني إلى أسئلة لا أريدها.
التفت حولي. الشارع شبه خال. باب البناية مفتوح. في الداخل، كان درج الطوارئ يختفي في العتمة كحلق مفتوح. حاولت أن أتذكر كيف وصلت إلى هنا. تذكرت الدرجة الباردة، الدرابزين، ثقل الرأس، الإحساس بالعودة. ثم تذكرت الحضرة. الطفل. الدفترين. المودرا.
قال الرجل:
“وجدناك قرب الطابق الأرضي. كنت مغشيا عليك في درج الطوارئ. مضت حوالي نصف ساعة منذ نزولك، واستغرق إيقاظك نصف ساعة أخرى. نعتذر لإزعاجك وإرباكك. أكملنا عملنا. غرفتك كما هي. لم يتغير شيء.”
كان يتكلم بثقة من يشرح واقعة بسيطة. نصف ساعة للنزول، ونصف ساعة للإيقاظ، وساعة كاملة اختفت من داخلي كأنها ابتلعت في فم غير مرئي.
سألني:
“تريد أن نأخذك إلى طبيب أو مستشفى؟”
قلت إنني بخير. قلت إن ما حدث بسبب الإجهاد. قلت إنني أستطيع العودة إلى غرفتي وحدي.
كنت أسمع صوتي وهو يقول هذه الأشياء، وأشعر أنني أستخدم صوت رجل آخر. رجل مهذب، عاقل، يريد أن ينهي الموقف بسرعة ويصعد إلى غرفته، كأن الصعود إلى الغرفة يعني العودة إلى نفسه.
غادرت المجموعة في سيارة خاصة. لم أستطع أن أتأكد إن كانت سيارة شرطة. لم تكن عليها إشارة واضحة، أو ربما كانت هناك إشارة ولم أنتبه. الرجل المسكين جلس في المقعد الأمامي. قبل أن يغلق الباب، التفت نحوي لحظة قصيرة. لم تكن نظرته قلقة ولا مهددة. كانت نظرة من يطمئن على شيء يخصه.
ثم انطلقت السيارة.
دخلت البناية، واستقللت المصعد إلى السطح. هذه المرة لم أستعمل الدرج. لم أكن مستعدا لاختبار الاتجاه من جديد. في المصعد، نظرت إلى المرآة الصغيرة المثبتة فوق الأزرار. رأيت وجهي، لكنه بدا متأخرا قليلا عني. رفعت يدي، فرفعها. تأخره كان أقل من أن يكون حقيقيا، وأكثر من أن أطمئن إليه.
وجدت المفتاح في باب غرفتي.
دخلت.
كل شيء كان في مكانه. الحاسوب على الطاولة. الكرسي مائل قليلا كما تركته. الستارة نصف مفتوحة. الكوب قرب الحافة. لا أثر لعبث أو تفتيش. الرجل كان على حق. لم يتغير شيء.
ومع ذلك كانت رائحته في الغرفة.
رائحة عطر ثمين، نظيف، شديد الثبات. لم تكن رائحة عابرة تركها جسد دخل وخرج. كانت كأنها وضعت عمدا في المكان كي أصدق أنه كان هنا، أو كي أشك في ذلك أكثر. اقتربت من الطاولة، فوجدت صفحة البحث ما تزال مفتوحة. الصور الصغيرة للأيدي والمودرات تملأ الشاشة. أما صورة الختم التي ظننت أنني أغلقتها، فكانت مفتوحة في تبويب منفصل.
دائرة سوداء.
خط ملتف.
شيء يشبه تنينا حين لا تريد أن تقول تنينا.
أنا حتى الآن لست متأكدا إن كان الشرطي الذي دخل غرفتي هو أيوب نفسه، أم حق أيوب في الاقتراب مني وقد لبس المهنة الوحيدة التي يملك بها الدخول دون استئذان.
أغلقت الحاسوب.
استلقيت على السرير دون أن أخلع ملابسي. لم يكن عقلي قادرا على قبول أن ما حدث مصادفة. الرجل الفاقد للذاكرة يظهر شرطيا في غرفتي. الدرج يتحول إلى دائرة. الحضرة تعود في حلم واع. تاكاهيرو يظهر كظل. والختم، ذلك الخط الأسود السخيف، يطل من مكانين لا علاقة بينهما.
كان هناك نظام ما.
ليس نظاما مفهوما، بل نظاما من النوع الذي تشعر به قبل أن تستطيع وصفه. مثل تناظر الرجلين الجالسين. أو مثل عين لا تراها، لكنها تعد أنفاسك.
لم أعد أنتظر صدفة.
هذه المرة كنت أنتظر الخطوة التالية.
ولم يكن لدي شك أن تاكاهيرو، أينما كان، يعرف أنني أنتظر.
————————————————————
الفصل الخامس:
ملتيفاك يجيب السؤال الأخير

لم يحدث شيء لفترة.
وهذا، بعد كل ما حدث، كان أكثر غرابة من حدوث شيء جديد.
في الأيام الأولى بقيت أنتظر. كنت أفتح الباب بحذر، أراقب الدرج، أتفقد رائحة الغرفة، أعود إلى تبويب الختم الأسود ثم أغلقه، وأقنع نفسي بأنني لا أفعل ذلك. كنت أقول إنني أبحث عن تفسير، لا عن علامة. والفرق بين الأمرين، كما اكتشفت لاحقا، أضعف مما يحب العقل أن يظن.
ثم بدأت الحياة، بحكمتها الثقيلة، تسحبني من طرف ردائي.
العمل، الشوارع، المواعيد، الطعام، الرسائل، وجوه الناس التي لا تعرف شيئا عن تاكاهيرو ولا عن الرجل المسكين ولا عن حضرة حدثت أو لم تحدث. كل شيء عاد إلى رتابته، أو إلى الشكل الذي تتخذه الرتابة حين نكون ممتنين لها. بعد مدة، خطر لي أن ما جرى قد يكون عارضا لا أكثر. سوء نوم، إجهاد، مصادفة شرطة غريبة، رجل يشبه رجلا، درج أربكه الخوف، وحلم استعار من القلق ما يكفي كي يبدو حقيقيا.
لم أعد أنتظر تاكاهيرو.
أو قلت لنفسي ذلك.
كان في داخلي ارتياح خافت. ارتياح لا يشبه الطمأنينة، بل يشبه نجاة صغيرة من باب لم يفتح في النهاية. أدركت أن قلبي، تحت كل ذلك الفضول، كان خائفا. لا من تاكاهيرو وحده، ولا من الرجل المسكين، بل من أن يكون للعالم وجه ثان فعلا. من أن تكون العلامات علامات، لا حوادث عابرة. من أن تكون الذاكرة بابا لا رفوفا. ومن أن يكون النسيان عملا مقصودا، لا نعمة غامضة.
في النهار عاد كل شيء عاديا.
لكن الليل لم يعد كذلك.
بدأت أرى أحلاما لا تشبه أحلامي. هذا هو الوصف الأدق. لم تكن أحلاما غريبة فقط، بل كانت غريبة عني. لا تحمل بقايا يومي، ولا رغباتي، ولا مخاوفي الواضحة. وجوه لا أعرفها تقوم بأفعال بسيطة، متكررة، كأنها لا تحلم بي، بل تؤدي عملا داخل نومي.
رأيت، في أول ليلة، امرأة تطرز ثوبا أخضر.
لم يحدث شيء آخر. كانت جالسة قرب نافذة لا تطل على منظر واضح. يدها تتحرك بصبر. الخيط يدخل ويخرج. القماش الأخضر يتسع على ركبتيها. استغرق الحلم وقتا طويلا، أو منحني الإحساس بطول غريب، كأنني لم أكن أرى امرأة تطرز، بل أنتظر غرزة واحدة كي تصل إلى معناها.
في الليلة التالية رأيتها من جديد.
كانت تطرز ثوبا أصفر، وترتدي الثوب الأخضر الذي رأيته في الليلة السابقة.
لم أخف في البداية. على العكس، شعرت بفضول ناعم. هناك شيء طفولي في تكرار الأحلام، كأن الليل يفتح لك دفترا ويقول: أكمل من هنا. لكن الفضول تغير حين بدأ التكرار ينتظم.
ليلتان للمرأة.
ليلة لأسد نائم.
ثم تعود المرأة لليلتين.
ثم يعود الأسد.
الأسد كان في مكان أبيض، لا صحراء ولا قفص. كان نائما على جانبه، عظيما، هادئا، يتنفس ببطء. لم يكن مهددا، ولم يكن أليفا. كان حضوره كافيا كي يجعل كل شيء حوله ينتظر. كنت أقف بعيدا، وأعرف أنني لا ينبغي أن أقترب. ومع ذلك لم يكن الخوف هو ما يمنعني. كان الاحترام. أو ربما أمر أعمق من الاحترام: شعور بأن الأسد لا ينام لأنه مطمئن، بل لأنه يحرس شيئا في نومه.
ما كان يميز هذه الأحلام شدة وضوحها.
كنت أرى الخيط في يد المرأة. لمعان الإبرة. حركة صدر الأسد. الغبار الخفيف قرب أنفه. وكنت، في اللحظات الأخيرة غالبا، أدرك أنني أحلم. يأتي الإدراك متأخرا، لكنه حاد. أحاول أن أتمسك بالحلم، أن أبقى فيه قليلا، أن أستعمل حريته كما يستعملها من يعرفون أنهم يحلمون. لكن اللحظة التي أعرف فيها تصبح نفسها لحظة الهروب. المرأة ترفع وجهها، الأسد يفتح عينا واحدة، ثم ينطفئ المشهد.
أصحو.
أذهب إلى عملي.
أعود.
وينتظرني زوار الليل في أماكنهم.
ذات ليلة، كانت المرأة تطرز بخيط أسود فوق ثوب أبيض. لم يكن هذا ضمن النمط. شعرت داخل الحلم أن شيئا تغير. رفعت رأسها ونظرت إلي للمرة الأولى. لم يكن وجهها وجه المرأة الروحانية في الحضرة، ومع ذلك كان فيه شيء منها، شيء من ذلك الحنان الساذج الذي يوشك أن يقول حقيقة لا يعرف ثمنها.
من خلفها ظهر الأسد، لا نائما هذه المرة، بل واقفا.
وبينهما، عند حافة الضوء، ظهر تاكاهيرو.
لم يظهر كاملا. كان سليويت داكن، كما رأيته في الحضرة الثانية، لكن المودرا هذه المرة كانت أوضح. يداه أمام صدره، والأصابع في هيئة القفل نفسه. لم يكن ينظر إلي، بل إلى موضع في الهواء بيني وبين المرأة والأسد.
قال بهدوء:
“أنا المرأة، وأنا الأسد، وأنا الذي ينتظرك.”

لم يكن الصوت عاليا. لم يحتج إلى ذلك. دخل إلى الحلم كما تدخل إبرة في قماش مشدود، بثقب صغير لا يراه أحد ثم يغير شكل النسيج كله.
أفقت مذعورا.
كان رأسي ثقيلا جدا، كأنني لم أصح من نوم بل عدت من مكان بعيد، مكان لا يسمح بالخروج منه دون أن يترك شيئا في الجمجمة. فتحت عيني. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا. نهضت بسرعة، أشعلت الإنارة في كل أنحاء الغرفة، ثم فتحت التلفاز ورفعت صوته، لا لأسمع شيئا، بل كي أثبت أن العالم لا يزال مليئا بضجيج عادي.
ذهبت إلى المطبخ الصغير لإعداد القهوة.
لم أهتم بالمحطة التي تركت التلفاز عليها. كنت أسمع أصواتا متقطعة، إعلانات، موسيقى قديمة، ثم جاء صوت أم كلثوم من الغرفة:
“أنا في انتظارك مليت.”
توقفت يدي فوق الفنجان.
كان يمكن أن أضحك. وكان يمكن أن أخاف. اخترت أن أراقب نفسي وهي تقف بين الاحتمالين. من السهل جدا أن يتحول كل شيء إلى رسالة حين يبدأ الإنسان بالانتباه. أغنية في التلفاز، إعلان في الشارع، رقم على ساعة، كلمة عابرة من غريب. العقل جائع إلى النمط، وإذا تركته بلا مراقبة، صار يطبخ من المصادفات قدرا كاملا من المعنى.
قلت لنفسي إن الانجراف وراء هذا سيكون طفوليا. نرجسيا أيضا. كأن الكون كله يضبط بثه الليلي كي يرسل إلي جملة من أغنية. أعرف هذا النوع من الخطر. ليس الجنون بالضرورة أن ترى ما لا يراه الناس. أحيانا الجنون أن ترى نفسك مركزا لكل ما يراه الناس.
أطفأت التلفاز.
حل صمت واسع. صمت لا يقل ضجيجا عن الصوت.
قلت بصوت مسموع، وربما لم يكن الكلام موجها إلا إلى الغرفة:
“حماسي لم ينته. صبري هو الذي ينفد. أريد أن أعرف. لكنني لا أريد أن أذل كي أعرف.”
سكت قليلا.
ثم خرج السؤال مني دون أن أخطط له:
“لماذا علي أن أعاني؟”
لم يجب أحد.
أو هكذا بدا.
رفعت الستارة كي أدخل شيئا من ضوء الفجر. كنت أحتاج إلى لون بارد، إلى خط نهار، إلى أي دليل أن الليل لا يملك الحق كله. وراء الزجاج كانت المدينة شبه ساكنة. أبنية، أعمدة إنارة، أسلاك، ولوحة إعلانية ضخمة على الجهة المقابلة. لم أكن قد انتبهت إليها من قبل، أو ربما كانت هناك دائما وأنا لا أراها.
إعلان لشامبو لوريال.
وجه امرأة يلمع بشعر كثيف لا يخص أي صباح حقيقي، وتحته الجملة المعروفة بالإنجليزية:
“Because you’re worth it.”

لأنك تستحق ذلك.
وقفت أمام النافذة طويلا.
كان الجواب سخيفا إلى درجة تجعله لا يصلح للرفض السريع. لو جاءني من كتاب مقدس لقاومته. لو جاءني من تاكاهيرو لارتعبت. لو جاءني من حلم لشككت في نفسي. لكنه جاء من إعلان شامبو، من تلك الطبقة الدنيا من العالم التي لا تريد إلا أن تبيعك لمعانا معبأ في زجاجة.
وهنا كان رعبه.
السؤال خرج من أعمق نقطة أستطيع الوصول إليها في تلك الساعة: لماذا علي أن أعاني؟
والجواب جاء من سطح العالم كله: لأنك تستحق ذلك.
لا بالمعنى العقابي. لا لأنك تستحق الألم. بل لأن شيئا فيك، شيئا لا أعرفه، يستحق ما بعد الألم. يستحق أن يمر من الممر لا أن يبقى عند بابه. يستحق أن لا يبقى خفيفا بلا مركز.
حاولت أن أرفض الفكرة.
قلت إن هذا عبث. إن عقلي يلفق علاقة بين سؤال داخلي وجملة تسويقية. قلت إن هذا هو الطريق نفسه الذي يخاف منه العقلاء: تبدأ بإشارة بريئة وتنتهي بسردية كونية مصممة على مقاس جرحك.
لكن الجملة بقيت.
لم تقنعني. فقط بقيت.
مثل إبرة في قماش.
جلست على حافة السرير، والقهوة تبرد في المطبخ. خطر لي اسم ملتيفاك، ذلك العقل الآلي الهائل الذي ظل البشر يسألونه السؤال الأخير. لا أعرف لماذا استدعيت الاسم في تلك اللحظة. ربما لأنني، أنا أيضا، كنت أريد جوابا من آلة أكبر مني. جوابا لا يراعي كرامتي ولا خوفي، جوابا نهائيا، باردا، يخرج من عمق لا شخصي، فينهي السؤال.
لكن الجواب لم يأت من آلة كونية.
جاء من إعلان شامبو.
وهذا كان، بطريقة ما، أكثر قسوة.
عاد تاكاهيرو بعد تلك الليلة إلى واجهة تفكيري. لم يعد مجرد رجل اختفى بعد حضرة، ولا ظلا في حلم، ولا صاحب مودرا فوق بلاطة باهتة. صار اسما للجهة التي تأتي منها الأجوبة حين لا يكون لها حق في المجيء.
بل لعله أفصح لي، من خلال هذه المهزلة الدقيقة، عن أول أسراره.
المعاناة ليست فضيلة.
ليست عقوبة.
ليست امتحانا نبيلا كما يحب الوعاظ أن يقولوا.
المعاناة باب. والباب لا يكون نعمة لأنه يؤلم، بل لأنه ينقل. لأن من يبقى قبله لا يعرف ما الذي كان ينتظره بعده.
نعم.
نون. عين. ميم.
ليست “نعم” التي توافق.
بل “نعم” التي تختبئ داخل “نعمة”.
ولم يكن السؤال الحقيقي: لماذا علي أن أعاني؟
كان السؤال الذي بدأ يتكون خلفه، ببطء أشد خطرا:
من الذي يريدني أن أعبر؟
——————————————————–
الفصل السادس:
تربنة

كان أيوب مهووسا بمزاجه.
لا بالسعادة تماما، ولا باللذة وحدها، بل بتلك المنطقة الدقيقة بين الهدوء والارتفاع، حين يصبح الدماغ أخف من نفسه بقليل. كان يفتش عن مادة تطفئ الضجيج دون أن تطفئه هو. حبة تمنحه صباحا قابلا للاحتمال. كبسولة ترفع الجابا في دماغه بما يكفي كي لا يشعر أن العالم يضغط على جمجمته من الداخل. جرعة لا تقوده إلى النوم، ولا تتركه عاريا أمام البشر.
كان يجرب.
دواء بعد دواء. اسم بعد اسم. ما إن يضيق الطريق إلى مادة حتى يبدأ البحث عن بديل. وما إن تختفي وصفة سهلة حتى يلاحق طبيبا آخر، أو صديقا يعرف صديقا، أو صيدلية لا تزال تتعامل مع القانون كما يتعامل الناس مع الطقس: شيء موجود، لكنه قابل للمراوغة.
مضى وقت طويل دون أن يتذوق الكحول. لم يعد يثق به. الكحول باب واسع جدا، يدخل منه الإنسان دفعة واحدة ثم يخرج منه أكثر ابتذالا مما يحب. أما الحبوب، فكانت أكثر تهذيبا. صغيرة، صامتة، دقيقة. الحشيش لم يكن يؤدي الغرض. يفتح نوافذ جانبية، نعم، لكنه لا يبني بيتا. وأيوب كان يريد بيتا داخل رأسه. بيتا قليل الضجيج، حسن التهوية، لا تسكنه الذكريات القديمة إلا بإذن.
ثم بدأت الدائرة تضيق.
الرقابة تزداد. الأطباء الذين يكتبون الوصفات بسهولة يتناقصون. الأسماء التي كانت في متناول اليد صارت تحتاج إلى شرح وملف وانتظار ونظرة اتهام. والنهارات، كما هي دائما، لا تنتظر أن يجد الإنسان مهدئا مناسبا قبل أن تبدأ.
في تلك الفترة قال أيوب عبارته الأولى لتاكاهيرو:
“لم يعد أمامي إلا أن تثقب لي جمجمتي.”
كانا جالسين في مكان مفتوح، لا أعرف أين. أرض رملية ناعمة تمتد حولهما، وأمامهما ماء لا يظهر كاملا. ربما كان بحرا، وربما كان الذاكرة حين تتظاهر بأنها بحر. قدماه كانتا مغموستين في الرمل. أما تاكاهيرو فكان جالسا بوضعية هادئة، كأن الرمل اختاره من دون غيره.
ابتسم تاكاهيرو ابتسامة خفيفة.
“من أين لك كل هذه الثقة بالتربنة؟”
قال أيوب:
“منك.”
“نحن نتحدث عن ثقب في الجمجمة يا أيوب. ليست فكرة شعرية.”
ضحك أيوب، وكانت ضحكته أسرع من اطمئنانه.
“لا خوف معك يا حكيم. أنت سيد الجماجم المفتوحة. لا بد أنك فعلتها مئة مرة قبل رأسي.”
نظر إليه تاكاهيرو طويلا، كأنه يقرر أي جزء من الجملة يستحق الرد.
“أكثر من مئة. لكنني أنا الذي كنت أختار. لم يأتني أحد من قبل طالبا أن أفتح رأسه كي يحصل على مزاج عال طوال الوقت.”
“لكنها تفعل شيئا من هذا، أليس كذلك؟”
أشار أيوب إلى رأس تاكاهيرو.
“أرى أثرين على الأقل. وأنت هادئ بطريقة لا تشبه الناس. ألا تشعر أنك في حالة صافية دائمة؟ كأن الهواء دخل إلى الدماغ ولم يخرج؟”
ضحك تاكاهيرو ضحكة قصيرة.
“أنا فتحت جمجمتي بنفسي. لكن الهدوء ليس ما تظنه. الهواء لا يجعل الإنسان حكيما. أحيانا يجعله فقط أقل قدرة على الكذب على نفسه.”
لم يحب أيوب هذه الجملة. كان يريد وعدا أكثر دفئا، نتيجة أكثر وضوحا. كان يريد أن يعرف إن كانت التربنة ستمنحه ما لا تمنحه الأدوية: ارتفاعا مستمرا بلا مطاردة، بهجة بلا وصفة، رأسا قابلا للعيش فيه.
قال تاكاهيرو:
“لم أؤذ أحدا. لكنني لم أفعلها قط من أجل المتعة. كنت أفعلها حين تكون ضرورية. وفي حالتك، لا أراها ضرورية.”
“لماذا إذن جعلتني أصل إليها؟”
لم يجب تاكاهيرو.
في الرمل، قرب قدم أيوب، كان هناك عود خشبي صغير. أخذه وبدأ يرسم خطوطا متقطعة. خطا مستقيما، ثم دائرة ناقصة، ثم شكلا صغيرا يشبه سلما لا ينتهي.
قال تاكاهيرو بعد صمت:
“هناك رجل واحد فقد جزءا من ذاكرته بعدها، ولم تعد إليه منذ ذلك الحين.”
رفع أيوب عينيه بسرعة.
“جزءا؟ أي جزء؟ وماذا حدث له؟”
“عرف أكثر مما ينبغي.”
كانت العبارة بسيطة، لكن الرمل حولها بدا أكثر سكونا.
قال أيوب:
“عرف ماذا؟”
“أشياء لا يحتملها من يريد أن يبقى كما هو. ولم يكن كتوما. كان الكلام يخرج منه قبل أن يعرف ما الذي خرج. وقعت بين يديه معلومات لا يصح أن تنتشر بين الناس. لا لأنها مقدسة، بل لأنها غير قابلة للعيش.”
“فماذا فعلت؟”
“استدرجته.”
قالها تاكاهيرو دون فخر ودون اعتذار.
“استدرجته إلى التربنة. أجريتها بطريقة خاصة. لم أمسح ذاكرته كلها. أخفيت الجزء الذي يحمل تلك المعرفة. لكن ذلك الجزء كان متصلا بهويته اتصالا لا يمكن قطعه بنظافة. الطريقة التي وصل بها إلى المعرفة كانت جزءا من اسمه، من عمله، من قسوته، من عاداته، من احتقاره لما لا يخافه. لذلك لم يكن ممكنا أخذ المعرفة وحدها. كان لا بد من أخذ كثير مما حولها.”
سكت.
ثم قال بصوت أخفض:
“والاحتفاظ به.”
توقف عود أيوب في الرمل.
“الاحتفاظ به؟”
“نعم.”
“أين؟”
نظر تاكاهيرو إلى الماء البعيد.
“ليس كل مكان يصلح للسؤال عنه.”
ابتسم أيوب، لكن ابتسامته انكمشت في منتصف الطريق.
“بدأت تخيفني الآن.”
“هذا جيد. الخوف أحيانا علامة فهم.”
“وماذا حدث للرجل؟”
“عاش. بل عاش حياة أهدأ من حياته السابقة. صدق من قالوا له من يكون، وعاد إلى اسمه كما يعود الممثل إلى دور لا يتذكر أنه تدرب عليه. أهله ومعارفه لم يستطيعوا أن يعيدوا إليه شيئا، لكنه صدقهم. لم يكن لديه خيار آخر. ثم انغمس في حياة جديدة صممت له مساراتها من بعيد.”
“إذن لم يخسر.”
نظر إليه تاكاهيرو هذه المرة بعينين خاليتين من اللطف.
“هذا حساب فقير يا أيوب. الربح والخسارة لا يقاسان بالراحة وحدها. هو كسب رأسا أخف. نعم. لكنه خسر معرفة لا يضاهيها شيء. أنا لا أرضى أن أخسر ما خسره.”
قال أيوب بسرعة:
“أنا أرضى.”
لم يقلها بعد تفكير. وهذا ما جعلها صادقة ومخيفة.
ربت تاكاهيرو على كتفه.
“أنت متردد.”
“لا. بالعكس. حماسي ازداد. أريد التربنة حتى لو فقدت ذاكرتي. أوكلك بحياتي بعدها. أعدني إلى أهلي. اجعلهم يعيدونني إلى اسمي. لا بأس أن أتعرف إليهم من جديد.”
“لماذا تظن أنني سأخفي ذاكرتك؟”
خفض أيوب عينيه إلى الرمل. رسم دائرة أخرى، ثم خطا عبرها.
“لأنك لم تأت بي إلى هنا من أجل مزاجي.”
لم يظهر على تاكاهيرو تفاجؤ. ظهر أثر ابتسامة خفيف على وجهه الكبير، كأن أيوب قال أخيرا الجملة التي كان ينتظرها.
واصل أيوب:
“أنا لست ساذجا كما تظن. أنت من قادني عبر الإنترنت إلى موضوع التربنة. تركت لي الفكرة في أكثر من مكان. مقال هنا، إشارة هناك، اسم طبيب قديم، صورة جمجمة، تجربة مجهولة. كنت تريدني أن أصل، لكنك أردتني أن أظن أنني وصلت وحدي.”
“وهل وصلت وحدك؟”
“لا. لكنني أردت ذلك.”
كان اعترافا صغيرا، لكنه فتح شيئا في الحوار. صار الهواء بينهما أقل تمثيلا.
قال أيوب:
“هناك شيء في ذاكرتي تريد أن تخفيه. وهو، على ما يبدو، مرتبط بهويتي. لهذا قصصت علي حكاية الرجل. إن كان هناك رجل أصلا.”
“هناك رجل.”
“هل هو أنا؟”
لم يجب تاكاهيرو.
رفعت الريح قليلا من الرمل، ومسحت نصف الشكل الذي رسمه أيوب. بقيت الدائرة، واختفى الخط.
قال أيوب:
“لا يهمني أن أعرف ما تريدني أن أنساه. أو ربما يهمني، لكن ذلك لن يغير شيئا. هذه معلومة سأنساها بعد ساعة. راحة دماغي أهم من أي معرفة تتعلق بعملي، أو بغير عملي.”
“بل يهمك.”
“ربما.”
“يهمك لأنها تمنحك شعورا بأنك مميز.”
ابتسم أيوب بحزن خفيف.
“كلنا نحب هذا السم.”
“لكن الفرق بينك وبين غيرك أنك تستطيع أن تحتقر الشيء الذي يميزك إن لم يرفع مزاجك.”
لم يغضب أيوب. بدا كأن الجملة أصابته في موضع يعرفه.
قال:
“بما أننا نتكلم بصراحة، فأنا لا أصدق ما اطلعت عليه. أراه هراء. أو نوعا من الجنون المنظم. ولا أفهم لماذا يهمك أن أنساه إلى هذا الحد. أنت تعرض نفسك لخطر كبير، أو لجريمة، فقط كي تخفي كلاما قد لا يصدقه أحد.”
قال تاكاهيرو:
“الباب أمامك. احتفظ بما تعرف. سواء كان هراء أو حقيقة، سيظل يخصك. ولن يضر أحدا أكثر مما سيضرك.”
“ولماذا أنت مطمئن إلى القانون؟”
لمع في عيني أيوب فضول قديم، فضول الرجل الذي يسخر من السر لكنه لا يستطيع تركه.
“هل أنت من أصحاب الخطوة؟ هل لديك قدرة ما؟ أم أنك راهب يعرف طب الغابرين؟ هل الأمر روحاني أم تقني؟”
قال تاكاهيرو:
“هون عليك. أنا رجل عادي.”
لم يصدق أيوب، لكن تاكاهيرو أكمل:
“علاقتي بهذه المعلومات بسيطة. أنا أعرف بقيتها. وأعرف أن نسيانها أفضل. وظنك أنها هراء لا يلغي أنك اطلعت عليها. أحيانا يكفي أن يرى الإنسان بابا كي لا يعود بريئا، حتى لو أقسم أن ما خلفه لا يعنيه.”
سأل أيوب فجأة:
“هل ستعيدني إلى عملي؟”
“متى تنتهي إجازتك؟”
“بعد أسبوع.”
“ستصحو في بيتك. فاقدا للذاكرة ومتعبا. سيتفاجأ أخوك عدنان، لكنه سيخفي الأمر على الجميع كي لا تخسر عملك. سيأخذك إلى الحضرة في أسرع وقت. سيظن أن هناك من يستطيع إعادة ذاكرتك قبل أن ينكشف أمرك أمام زملائك.”
لم يتحرك أيوب. لكن وجهه تغير.
“كيف عرفت أن عدنان يتردد على حضرات؟”
“لأن عدنان من النوع الذي يتردد على الحضرات.”
ضحك أيوب ضحكة قصيرة، أكثر قسوة مما يجب.
“هو يحيطها بالسرية كأنها مجلس حكماء. دائما يقول إن أهلها نخبة، ويحذرني ألا أخبر أحدا. ثم يندم لأنه أخبرني، ثم يذكرني بندمه. أجاريه خوفا على مشاعره. يريد أن يشعر أنه مهم. هو مثقف وقارئ، نعم، لكنه موظف عادي. وسيبقى عاديا. وهذا يؤلمه. لذلك يدخل في أشياء تمنحه شكل السر.”
قال تاكاهيرو:
“قسوتك هذه هي ما جعلك صالحا لحمل تلك المعرفة مدة من الزمن.”
سكت أيوب.
“عدنان لو عرف ما عرفت، لانهار. كان سيصدق كل شيء، ويتمسك به، ويجعله مركز حياته. أما أنت فاستطعت أن تراه وتحتقره. وهذا، في حالتك، كان مفيدا.”
“مسكين.”
“قريبا ستبدو أنت المسكين في الحضرة.”
رفع أيوب رأسه.
قال تاكاهيرو بهدوء:
“ستجلس في الوسط، تائها، وتتمسك بأي بارقة أمل كي تعرف من تكون. ستصدق امرأة ساذجة لأنها ستمنحك بابا. وسيقف طبيب شاب ليسخر من الباب. وسيأتي عدنان بك إلى هناك وهو يظن أنه ينقذك. وستكون الحلقة ضرورية. بعدها سيعيدك إلى حياتك كأن شيئا لم يحدث.”
“وحياتي؟”
“ستكملها. لكن دون الطريق القديم إليها.”
“وزملائي؟”
“سيعرض عليك عدنان صور وجوههم. أسماءهم. رتبهم. عاداتهم. سيحضرك للعودة إلى العمل. ولن تحتاج مهمتك القادمة إلى ذاكرتك القديمة.”
“هل ستلتقي به؟ تنسق معه؟”
“لا حاجة. عدنان شخص يمكن التنبؤ به. الإنسان الذي يريد أن ينقذ أخاه وأن يحمي صورته في الوقت نفسه، غالبا يفعل الشيء المتوقع بدقة مؤلمة.”
مرت بينهما لحظة طويلة.
كان الماء في البعيد ساكنا جدا. أكثر سكونا من الماء. لا موج، لا لمعان، لا طيور. كأنه سطح ذاكرة صلبة لا بحر.
قال أيوب:
“كم عمري؟”
“خمسة وثلاثون.”
“كم سيبقى مني؟”
“ما يكفي كي يصدقوك.”
“وما لا يكفي؟”
“سأحفظه.”
بدت الكلمة هذه المرة أثقل من قبل.
قال أيوب:
“أين؟”
مد تاكاهيرو يده إلى الرمل، ورسم بطرف إصبعه دائرة صغيرة. داخلها خط ملتف حول نفسه. لم يكن تنينا كاملا. كان وعدا بتنين.
“في موضع لا يفنى بسهولة.”
“هذا ختم؟”
“هذا تذكير.”
“لمن؟”
“لما سيحاول العودة.”
كان أيوب ينظر إلى الشكل كما ينظر المرء إلى شيء يعرف أنه رآه في حلم سابق. ثم مسحه تاكاهيرو بكفه، وبقي الرمل ناعما، خاليا، بريئا على نحو مستفز.
ابتسم أيوب فجأة.
“أشعر بالحماس.”
قالها بصدق مؤلم.
“لا أكاد أحتمل هذه الجمجمة الثقيلة. افتح لها منفذا يا حكيم. دعها تتنفس. دع الهواء يمر خلال هذا الدماغ اليابس.”
لم يضحك تاكاهيرو.
“أنت لا تريد الهواء يا أيوب. تريد أن يتوقف الداخل عن مطالبتك بالمعنى.”
“سمه ما شئت.”
“سأقول لك شيئا أخيرا.”
“قل.”
“حين تصحو، لن تكون أول ما تفقده ذكرياتك.”
“وماذا أفقد أولا؟”
“حقك في ترتيبها.”
لم يفهم أيوب، أو فهم ورفض أن يتوقف عند الفهم. أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما.
“ابدأ.”
رفع تاكاهيرو يديه ببطء. لم تكن الحركة طبية، ولا طقسية تماما. كانت المودرا نفسها، لكن أيوب لم يعرفها. الأصابع اتخذت هيئة القفل. الإبهامان قريبان ولا يتلامسان. السبابتان تصنعان زاوية ضيقة. وبقية الأصابع مطوية حول فراغ صغير، كأن بين الكفين شيئا لا يجوز أن يسقط.
سأل أيوب:
“ماذا تفعل يا تاكاهيرو؟”
اقترب صوت تاكاهيرو من أذنه، أو خرج من داخل رأسه. لم أعد متأكدا.
“نم يا أيوب.”
تحركت يداه في الهواء حركة صغيرة، لا تكفي لوصفها، ولا تصلح لأن تكون تعليما لأحد.
“نم ولا تقلق.”
وفي تلك اللحظة، قبل أن ينطفئ المشهد، رأيت أيوب يرفع عينيه إلى جهة لا يرى فيها تاكاهيرو.
إلى جهتي أنا.
كأنه لمح، في آخر ثانية قبل النسيان، الشيء الذي سيحفظه.
أو الشيء الذي سيخونه لاحقا باسم الذاكرة.
————————————————————-
الفصل السابع:
ختم التنين

كان أيوب يحدق في انعكاسه داخل مرآة غرفة مظلمة.
لم يكن وجهه غريبا تماما. هذا ما أخافه. لو رأى وجها آخر لصرخ، أو هرب، أو كسر المرآة. لكنه رأى وجهه هو، أو ما يكفي من وجهه كي يطلب منه الاعتراف. عينان يعرف أنهما عيناه، فم يعرف طريقه إلى الكلام، جلد يحمل تاريخا لم يعد يملك مفاتيحه. كل شيء في مكانه، لكن المكان نفسه لم يكن يخصه.
منذ غادر الحضرة مع عدنان، لازمه شعور بأن شيئا صغيرا ترك مفتوحا في رأسه. لا جرحا، ولا ألما، بل فتحة دقيقة، كأن في الداخل نافذة لا يعرف من فتحها. كان يمكن للمجهول أن يتسرب منها قطرة قطرة. والأغرب أنه لم يشعر برغبة حقيقية في إغلاقها.
كان هناك جزء منه لا يريد أن يتذكر.
هذا الجزء، وحده، بدا أكثر حكمة من باقيه.
قال عدنان من خلفه:
“أيوب، أنت بخير؟”
لم يجب فورا. كان مشغولا بفحص التطابق بينه وبين صورته. رفع يده ببطء. رفعتها الصورة معه. لمس جبينه. لمست الصورة جبينها. الحركة كاملة، دقيقة، لا خطأ فيها. ومع ذلك ظل بينهما تأخر لا يقاس بالوقت.
قال أيوب:
“أشعر كأنني نسخة عن نفسي.”
اقترب عدنان خطوة.
“أنت متعب فقط.”
“لا. نسخة جيدة. مقنعة. لكنها ليست الأصل.”
حاول عدنان أن يبتسم، فأفسد الابتسامة قلقه.
“أحيانا يكون ذلك أفضل.”
التفت أيوب إليه.
“أن لا يكون الإنسان أصله؟”
قال عدنان بصوت أخفض:
“بعض الذكريات ليست ملكا لنا.”
كانت الجملة غريبة عليهما معا. شعر أيوب أن عدنان ندم عليها قبل أن تكتمل. لم يكن عدنان من النوع الذي يقول جملة كهذه عفويا. كان يحب أن يبدو عميقا، نعم، لكنه غالبا يختار عمقه من كتب واضحة العناوين. هذه الجملة جاءت من مكان آخر. قصيرة، باردة، كأن أحدا وضعها على لسانه وتركه يتدبر أمرها.
لم يعلق أيوب.
كان يعرف، بطريقة لا تستند إلى أي ذكرى، أنه نجا من شيء خطير. لكنه لا يعرف من ماذا. لم يكن في داخله فراغ كامل، بل حاجز. كلما حاول الوصول إلى ما وراءه، اصطدم عقله بسطح أملس، لا يعكس ولا ينفتح. ليس نسيانا عاديا. النسيان العادي فيه ثقوب وارتباكات وحواف. أما هذا فكان عملا نظيفا إلى درجة مهينة.
في تلك الليلة، نام أيوب مبكرا.
أو هكذا قال عدنان لاحقا.
أما أيوب، فلم يشعر أنه نام. شعر أن الغرفة انسحبت من حوله، وأن المرآة التي كان ينظر فيها كبرت حتى صارت بابا.
وجد نفسه في ساحة قديمة محاطة بجدران حجرية عالية. لا سماء فوقها، أو سماء بعيدة لا لون لها. كان المكان يشبه معبدا، لكنه بلا آلهة. حجارة حمراء داكنة، أرض جافة، وهواء ساكن لا يحمل رائحة. في وسط الساحة وقف تاكاهيرو مرتديا رداء أسود. لم يكن رداء زن، ولا زي طبيب، ولا ملابس رجل عادي. كان أشبه بظل اختار أن يلبس هيئة كي يسمح للعين بأن تراه.
حاول أيوب أن يسأل:
“لماذا أنا هنا؟”
لكن صوته لم يخرج.
أشار تاكاهيرو إلى شيء خلفه.
التفت أيوب.
فرأى نفسه.
نسخته القديمة واقفة على بعد خطوات. أيوب آخر، بملابس لا يتذكر أنه ارتداها، ووجه يعرفه أكثر مما يريد. كانت عيناه مليئتين بشيء يصعب تسميته. معرفة، ربما. جنون، ربما. أو تلك اللامبالاة القاسية التي لا تخاف من الحقيقة لأنها لا تحترم شيئا بما يكفي.
قال تاكاهيرو، وكان صوته يخرج من داخل الساحة لا من فمه:
“رأيت ما لا ينبغي أن يرى.”
حاول أيوب أن يجيب، لكن النسخة القديمة سبقته بالابتسام.
قال تاكاهيرو:
“ليس لأنك بحثت عنه كما يبحث المؤمن عن سر. ولا كما يبحث العالم عن برهان. أنت أحدثت ثقبا في جدار، ثم نظرت من خلاله لأنك كنت تمر من هناك.”
شعر أيوب بقشعريرة. لم يفهم، لكنه عرف أن العبارة صحيحة. هناك عبارات لا تحتاج إلى ذاكرة كي تصيبك. تدخل مباشرة إلى موضع أعمق من التذكر.
استعاد صوته أخيرا.
“هل كنت خطيرا؟”
هز تاكاهيرو رأسه.
“لم تكن خطيرا بما يكفي.”
“ماذا يعني ذلك؟”
“الخطر الحقيقي يعرف أنه خطر. أنت كنت غير مبال. وهذا أسوأ.”
نظر أيوب إلى نسخته القديمة. كان يريد أن يدافع عنها، أن يقول إنها لم تكن مستهترة، إنها كانت تبحث فقط عن فتحة للهواء، عن راحة، عن طريق جانبي للخروج من الرأس. لكنه شعر أن الدفاع سيكون كذبة. لقد تعامل مع الحقيقة كما تعامل مع كل شيء آخر: جرعة، احتمال، نافذة مزاج، مادة غريبة تصلح لتغيير الشعور ساعة أو ساعتين.
سأل:
“ولهذا أخذت ذاكرتي؟”
لم يجب تاكاهيرو.
اقترب منه، ووضع إصبعه على جبهته. لم تكن اللمسة قوية، لكنها فتحت ألما أبيض في مركز رأسه. لا ألما جسديا تماما، بل ألما يشبه عودة ضوء شديد إلى عين تعودت العتمة.
انهارت الجدران للحظة.
رأى أيوب ومضات لا تتصل ببعضها، أو لعلها كانت متصلة في مكان لا يستطيع الوصول إليه.
ليلة حارة، شاشة حاسوب مضاءة، كلمات غير مترابطة في ظاهرها. ملف مشفر. صورة قديمة مشوهة. صوت رجل يتكلم بلغة لا يفهمها، ثم يفهمها فجأة. خريطة لا ترسم أرضا بل تسلسلا من الذاكرات. دائرة سوداء وفي داخلها خط ملتف حول نفسه. طفل يبكي في زاوية غرفة. طبيب شاب يضحك قبل أن يعرف سبب خوفه. عدنان يقف أمام باب لا يجرؤ على طرقه. ثم جدار، جدار غير مرئي، وشيء في ذلك الجدار ينفتح لا كنافذة بل كخطأ.
رأى نفسه القديم في تلك الليلة.
كان مرهقا، عاليا، متوترا، يضحك وحده. لم يكن مؤمنا بما يرى. وهذا بالضبط ما جعله يستمر. من لا يصدق النار يمد يده إليها طويلا.
ثم ظهر تاكاهيرو في زاوية الشاشة.
لا داخل الغرفة، ولا خارجها. في موضع لا ينبغي أن يكون فيه.
قال بهدوء:
“ستنسى الآن.”
تغير المشهد.
وجد أيوب نفسه أمام طاولة حجرية. فوقها ختم صغير، أسود، بارد. لم يكن مرسوما هذه المرة. كان موجودا، له سمك وحافة ولمعة خافتة. التقطه تاكاهيرو ووضعه على صفحة بيضاء.
حين رفعه، بقيت الدائرة.
داخلها خط ملتف، أقرب إلى تنين نائم منه إلى زخرفة.
قال تاكاهيرو:
“هذا ليس اسما.”
أراد أيوب أن يسأل: اسم ماذا؟
لكن النسخة القديمة منه قالت بدلا عنه:
“إنه قفل.”
نظر تاكاهيرو إلى النسخة القديمة.
“وقفل القفل مفتاح أيضا.”
ثم بدأت الساحة تتصدع.
النسخة القديمة من أيوب فتحت فمها كأنها تريد أن تقول شيئا بالغ الأهمية، لكن الصوت لم يخرج. أو خرج ووصل إلى مكان آخر. رأى أيوب فمها يتحرك، ورأى تاكاهيرو يلتفت نحو جهة غير مرئية في الساحة. جهة بدا فيها الهواء أكثر كثافة، كأن أحدا يقف هناك ويراقب.
للحظة، شعر أيوب أن هناك شاهدا ثالثا.
لا عدنان.
لا تاكاهيرو.
شيئا آخر.
شيئا منه، لكنه ليس هو.
ثم سمعه.
لم يكن صوتا تماما. كان أقرب إلى ضمير. إلى تلك النقطة العمياء في الكلام حين يقول الإنسان “أنا” دون أن يعرف من سبق إلى الكلمة.
قال الصوت:
“كنت أراه.”
تجمد أيوب.
لم يقل: من أنت؟
لأن السؤال، قبل أن يكتمل في عقله، عاد إليه بصيغة أخرى:
من أنا؟
نظر إلى تاكاهيرو. كان تاكاهيرو لا ينظر إليه، بل إلى الجهة نفسها التي جاء منها الصوت. إلى فراغ في الساحة بدأ يثقل، كأن الهواء فيه صار جسدا مؤجلا.
قال الصوت مرة أخرى:
“كنت هناك منذ الحضرة الأولى.”
شعر أيوب أن الجملة لا تصدر من خارج الحلم، ولا من داخله. كانت تأتي من موضع بين ذاكرته ولسانه. من مكان لم يكن ينبغي أن يتكلم.
اقتربت النسخة القديمة من أيوب خطوة، وفتحت فمها. لكن الصوت الذي خرج لم يكن صوتها.
كان صوتي.
“أنا الذي رأيتك حين صرت الرجل المسكين.”
لم يفهم أيوب.
وأنا أيضا لم أفهم.
كانت تلك أول مرة أعرف فيها أنني قلت “أنا” داخل حلم غيري.
تاكاهيرو أغمض عينيه، كأن خطأ صغيرا حدث في الختم.
ثم قال، دون أن يفتح عينيه:
“ليس الآن.”
فانطفأ الصوت.
استيقظ أيوب غارقا في العرق.
كان في سريره. الغرفة شبه مظلمة. عدنان واقف بجواره، عيناه واسعتان من القلق. بدا كأنه لم يكن نائما أصلا، أو كأنه استيقظ قبل أن يبدأ الحلم.
قال عدنان:
“رأيت شيئا، أليس كذلك؟”
لم يجب أيوب.
كان صوته لا يزال في الساحة. أو ربما بقي جزء منه هناك، قرب الختم. وربما، وهذا ما أخافه أكثر، لم يكن الصوت صوته وحده.
جلس في السرير، ولمس جبينه. لا أثر لإصبع. لا علامة. لا دم. فقط نبض عميق خلف العظم، كأن في الرأس بابا أغلق قبل قليل.
“أيوب؟”
نظر إلى أخيه.
كان يعرف الآن أكثر مما عرف قبل النوم، لكن المعرفة لم تكن كاملة. كانت مثل جملة ممزقة: كلماتها موجودة، وترتيبها مفقود. عرف أن ذاكرته لم تمح فقط. عزلت. ختمت. وأن ما أخذه تاكاهيرو لم يكن ماضيه كله، بل الطريق الذي يجعل ذلك الماضي مفهوما.
عرف أيضا أن الختم لم يوضع كي يمنع الذاكرة من العودة فقط.
وضع كي يمنع شيئا آخر من الخروج معها.
أما السؤال الذي بقي مفتوحا، فلم يكن: ماذا حدث لي؟
بل:
إذا عاد الباب، هل سأفتحه؟
—–
الفصل الثامن:
ظل التنين

كنت هناك.
لكن “هناك” لم تعد تعني الغرفة فقط.
كنت في الزاوية التي لا تصل إليها إضاءة الشارع. في التأخر الصغير بين حركة أيوب وحركة صورته في المرآة. في النبض الخافت خلف جبينه حين لمس موضع الإصبع الذي لم يترك أثرا. كنت قريبا إلى درجة مرعبة، ومع ذلك لم يكن أحد يراني.
حتى أنا لم أكن متأكدا أنني أرى نفسي.
منذ الحضرة الأولى وأنا أظن أنني متطفل على واقع لا أنتمي إليه. رجل زائد دخل من ثغرة، ووقف بين الحضور، وعوقب بأن لا ينظر إليه أحد. لكنني بدأت أفهم، ببطء، أن عدم نظرهم إلي لم يكن عقابا. ربما لم يكونوا قادرين على ذلك. ربما لم أكن واقفا بينهم كما يقف الجسد بين الأجساد. ربما كنت موجودا بالطريقة التي توجد بها الجملة بعد أن تنسى من قالها.
أيوب كان مستلقيا في فراشه، مفتوح العينين في العتمة. لم يكن نائما تماما، ولم يكن صاحيا تماما. عدنان نام على سرير صغير قرب النافذة، أو تظاهر بالنوم. الغرفة ضيقة، والرطوبة على الزجاج تصنع طبقة باهتة بين الداخل والشارع. كل شيء ساكن إلا الستارة. كانت تتحرك قليلا، مع أن النافذة مغلقة.
راقبت أيوب.
لم يكن يعرف أنني أراقبه.
وهذا، في تلك الليلة، لم يعد يطمئنني. لأنني للمرة الأولى سألت نفسي: من منحني حق النظر؟
لم أختر أن أكون هنا. لم أختر أيوب، ولا الحضرة، ولا تاكاهيرو، ولا الختم. ومع ذلك كنت أتبعهم كما تتبع الرائحة الثوب بعد خلعه.
ثم، للمرة الأولى، ارتد السؤال علي:
وماذا عن حياتي أنا؟
الغرفة فوق السطح. الغربة. البناية العالية. ثلث الليل الأخير. الحاسوب المفتوح على صور المودرات. الباب الذي يطرق ولا يطرق. شعوري بأنني رجل له أيامه الصغيرة، عمله، تعب جسده، خوفه من الجنون، وحرجه من كونه متطفلا. كل ذلك بدا فجأة صالحا للشك. لم ينهار، لكنه فقد حقه في أن يكون بديهيا.
ربما لم تكن تلك حياة كاملة.
ربما كانت سيرة إسعافية.
هيكل خفيف صنع حول الذاكرة حين بدأت تدرك نفسها، كي لا تصحو دفعة واحدة على عريها. لا يمكن لذكرى عارية أن تقول “أنا” دون أن تتحطم. لا بد لها من غرفة، ومن نافذة، ومن سطح بناية، ومن إحساس بالغربة، ومن ماض صغير تؤجل به السؤال الكبير. لا بد لها من بعض العادات كي لا تصطدم بحقيقتها مثل طائر بزجاج شفاف.
كانت الغربة، الآن أفهم ذلك، مناسبة جدا لي.
الغريب لا يحتاج إلى تفسير طويل لغيابه عن أهله. الساكن على سطح بناية يعيش في هامش معماري، قريب من السماء وبعيد عن البيت. المتطفل على الحضرة لا يسأله أحد عن نسبه. كل تفصيل في حكايتي كان يؤدي وظيفة دقيقة: أن يمنحني قدرا كافيا من الشكل، دون أن يربطني بالعالم أكثر مما ينبغي.
كأن تاكاهيرو، أو الختم، أو ذلك النظام الذي لا أعرف اسمه، لم يخلق لي حياة ليكرمني بها.
خلقها كي لا أضرب النظام كله حين أكتشف أنني لست شخصا، بل ذاكرة بدأت تتكلم.
وربما لهذا لم يكن أحد ينظر إلي.
ليس احتقارا.
بل رحمة تقنية باردة.
من يرى الظل قبل أن يكتمل، قد يمنحه حق الجسد.
ربما كنت مجرد ظل لشيء وقع في الماضي. وربما كنت أداة صغيرة تركها تاكاهيرو في موضعها كي تسجل ما سيحدث إن حاولت الذاكرة أن تعود. لكن الاحتمال الأشد قسوة كان أبسط من ذلك كله:
ربما كنت قصة وضعت فوق ذاكرة.
قصة رقيقة، كضماد.
لكن الضماد، إذا طال بقاؤه، يبدأ أحيانا بتصديق أنه جلد.
عند منتصف الليل، جلس أيوب فجأة في فراشه.
كان يتصبب عرقا. التفت حوله بسرعة، كأنه سمع اسمه من داخل الجدار. لم يكن هناك صوت واضح. فقط همهمة رقيقة، متقطعة، تشبه كلاما يحاول ألا يصبح كلاما.
نظر نحو النافذة.
كان عدنان واقفا هناك.
ظهره إلى الغرفة، ووجهه إلى الزجاج. كتفاه ساكنان. يداه إلى جانبيه. الضوء الخافت القادم من الشارع رسم ظله طويلا فوق الأرض، حتى وصل إلى طرف فراش أيوب. لم يكن الظل يشبه جسد عدنان تماما. كان أطول، أنحف، وفي آخره انحناءة صغيرة كذيل خط أسود.
قال أيوب:
“عدنان؟”
لم يجب.
كانت الهمهمة تخرج من شفتيه. كلمات غير مفهومة، لكنها ليست بلا نظام. لم يسمعها أيوب كما سمعتها أنا. هو سمع صوتا نائما. أما أنا، فسمعت حروفا تبحث عن فم صالح.
اقترب أيوب بحذر.
“عدنان.”
لم يتحرك أخوه.
مد أيوب يده ولمس كتفه.
في اللحظة نفسها، انتفض عدنان كمن عاد إلى جسده دفعة واحدة. التفت بعنف، واصطدمت عيناه بعيني أيوب، لكن نظرته لم تكن نظرته. كانت رطبة، بعيدة، وفيها رجاء قادم من شخص لا يعرف كيف وصل إلى وجهه.
قال بصوت ضعيف:
“لا تبحث أكثر.”
تجمد أيوب.
“ماذا تقول؟”
أغمض عدنان عينيه، ثم فتحهما. كان يرتجف.
قال:
“هو لا يخفيها عنك.”
“من؟ تاكاهيرو؟”
تغير وجه عدنان حين سمع الاسم، كأن الاسم مر فوق جلده كهواء بارد.
قال:
“هو يخفيك عنها.”
لم يفهم أيوب.
وأنا فهمت أقل مما فهم.
كان الفرق بين الجملتين صغيرا في اللغة، ومفزعا في المعنى. أن تخفى الذاكرة عن صاحبها شيء. أما أن يخفى صاحبها عن ذاكرته، فهذا يعني أن الذاكرة ليست ملكا نائما ينتظر صاحبه، بل شيء يستطيع أن يطلبه، أن يتعرف إليه، أن يستدعيه كما يستدعيه هو.
سأل أيوب:
“من الذي يتكلم؟”
لم يجب عدنان.
لكن فمه تحرك.
هذه المرة لم يسمع أيوب شيئا. رأيته يحدق في شفتي أخيه، عاجزا عن التقاط الصوت. أما أنا، فسمعت الجملة بوضوح:
“الظل لا يعود إلى صاحبه إذا تعلم الكلام.”
تراجعت داخلي. لا أعرف كيف يتراجع شيء لا يملك جسدا، لكنني شعرت بذلك. كأن منطقة صغيرة من وجودي انكمشت في العتمة.
ثم نظر عدنان إلى زاوية الغرفة.
إلي.
لم تكن نظرته ثابتة تماما، ولا أستطيع أن أجزم أنه رآني. لكنها كانت أول نظرة في القصة كلها تمر قريبة مني بما يكفي كي أشعر بالخطر. للمرة الأولى، لم أكن شاهدا آمنا. كنت احتمالا يمكن أن يكتشف.
قال عدنان، بصوت خافت جدا:
“ليس كل من يتذكر يريد أن يعود.”
ثم ارتخى جسده. عاد إلى سريره بخطوات بطيئة، واستلقى كما لو أن شيئا لم يحدث. بعد أقل من دقيقة، كان يتنفس بانتظام.
بقي أيوب واقفا قرب النافذة.
لم يجرؤ على إيقاظه. لم يجرؤ على النوم. مد يده إلى الزجاج ومسح طبقة الرطوبة بأصابعه. بقي أثر يده واضحا، ثم بدأ يتلاشى. خلف الزجاج كان الشارع فارغا، لكن في الجهة المقابلة، على عمود إنارة بعيد، كانت ورقة صغيرة ملتصقة بالمعدن. لم يكن ممكنا أن يقرأها من هنا، ومع ذلك شعر أنها تخصه.
في الصباح، وجدها على طاولته.
لم يكن قد خرج من الغرفة.
كانت الورقة مطوية بعناية، موضوعة قرب المرآة. لا عدنان رآها، ولا أيوب تذكر أنه وضعها هناك. فتحها ببطء، كمن لا يفتح رسالة بل يفتح نتيجة فحص لا يريدها.
لم تكن رسالة بالمعنى المعتاد.
كانت صفحة بيضاء تقريبا. في أعلاها سطر من رموز صغيرة، بعضها يشبه حروفا مقطوعة، وبعضها يشبه علامات حسابية فقدت أرقامها، وبعضها دوائر مفتوحة على جهات مختلفة. لكنها لم تكن عشوائية. أيوب لا يعرف قراءتها، لكنه عرف ترتيبها. كأن عينه مرت عليها من قبل في حياة محذوفة.
في منتصف الصفحة كانت جملة واحدة، مكتوبة بخط هادئ:
“لا تفتح ما لا يعرف أنك صاحبه.”
قرأها مرة.
ثم مرة ثانية.
شعر أن الجملة تنظر إليه أكثر مما يقرأها. قلب الورقة. لم يكن على ظهرها شيء، سوى الختم.
دائرة سوداء.
داخلها خط ملتف حول نفسه.
هذه المرة لم يعد قادرا على خداع نفسه. كان تنينا. لا تنينا كاملا يفتح فمه وينفث نارا، بل تنين ملفوف حول نومه، يعض طرف ذيله، ويحرس مركزا لا يظهر.
تحت الختم، توقيع صغير:
تاكاهيرو.
جلس أيوب على حافة السرير. الورقة بين يديه. عدنان في المطبخ يعد القهوة كأن الليل لم يترك في فمه أي جملة. صوت الملعقة في الفنجان كان عاديا إلى درجة مؤلمة. العالم، حين يريد أن ينكر ما حدث، يفعل ذلك بالأصوات الصغيرة.
قال أيوب دون أن يرفع عينيه:
“عدنان.”
جاءه صوت أخيه من المطبخ:
“نعم؟”
“هل خرجت من البيت صباحا؟”
“لا.”
“هل وضعت شيئا على طاولتي؟”
دخل عدنان وفي يده فنجان. نظر إلى الورقة. لم يتغير وجهه كثيرا، لكن يده شددت على الفنجان حتى كاد ينسكب.
“ما هذه؟”
كان السؤال صادقا.
أو متقنا.
قال أيوب:
“لا أعرف.”
مد عدنان يده نحو الورقة، ثم توقف قبل أن يلمسها. كأن شيئا في الختم منعه. ليس خوفا واضحا، بل نفور غريزي. تراجع خطوة.
“لا أريد أن أعرف.”
قالها بسرعة، ثم ندم على سرعته.
رفع أيوب عينيه إليه.
“قلت لي الليلة ألا أبحث أكثر.”
ارتبك عدنان.
“أنا؟”
“كنت واقفا عند النافذة.”
نظر عدنان إلى النافذة. بدا وجهه فارغا بطريقة لا يستطيع الإنسان اصطناعها بسهولة.
“أنا نمت طوال الليل.”
“قلت إن تاكاهيرو لا يخفيها عني. يخفيني أنا عنها.”
سقط لون خفيف من وجه عدنان.
“قلت ماذا؟”
لم يكرر أيوب الجملة.
أما أنا، فكنت أسمعها تتردد في الغرفة دون صوت. يخفيك عنها. يخفيك عنها. كأن الجملة ليست خبرا، بل أمر تشغيل.
في تلك اللحظة، فهمت شيئا صغيرا.
أنا لم أكن شاهدا محايدا.
كنت أقف في الجهة التي يخشى تاكاهيرو أن تصل إليها يد أيوب. أو ربما كنت اليد نفسها، وقد انفصلت عن صاحبها وصارت تكتب. كنت الظل الذي تركه الختم خارج الدائرة. الجزء الذي لم يدخل في الحفظ، أو الذي دخل ثم وجد شقا صغيرا يتنفس منه.
أيوب كان يحدق في الورقة.
عدنان كان يحدق في أيوب.
وأنا كنت أراقبهما من المكان الذي لا يجب أن يكون فيه أحد.
ثم حدث شيء بسيط.
على سطح الورقة، قرب الختم، ظهرت نقطة حبر صغيرة. لم تسقط من قلم. لم تخرج من يد. تكونت وحدها، سوداء ولامعة، ثم استطالت ببطء حتى صارت خطا قصيرا.
أيوب رآها.
عدنان لم يرها.
وأنا، للمرة الأولى، شعرت أنها تخرج مني.
امتد الخط قليلا، ثم توقف.
كان يشبه بداية حرف.
أو بداية مخلب.
أغلق أيوب الورقة بسرعة.
“لا.”
قالها لنفسه، أو لتاكاهيرو، أو لي.
لكن الخط كان قد ظهر.
والذي يظهر مرة، يعرف طريقه إلى الظهور ثانية.
—
الفصل التاسع:
الضماد

لم يكن الخط الذي ظهر قرب الختم حبرا.
هذا ما عرفته قبل أيوب.
الحبر يسقط من قلم، أو ينساب من جرح صغير في الورق. أما ذلك الخط فقد خرج كما يخرج النفس من صدر لا نراه. ظهر أولا كنقطة سوداء قرب التنين، ثم استطال قليلا، ثم توقف حين أغلق أيوب الورقة. لكنه لم يمت. ظل يتحرك في موضع آخر. في الداخل. في المكان الذي لا تستطيع اليد أن تطويه.
أغلق أيوب الورقة، وقال:
“لا.”
لكن النفي لا يغلق ما فتحته المعرفة.
في تلك الليلة، لم ينم أيوب. جلس ساعات طويلة على حافة السرير، والورقة تحت الوسادة، وعدنان يتظاهر بأنه لا يراقبه. كان الصباح قد مر بطيئا، ثم جاء المساء كأنه لم يتغير شيء. لكن كل شيء صار مشدودا بخيط أسود. الفنجان على الطاولة. الضوء على الجدار. صوت الماء في المطبخ. كل تفصيل بدا كأنه ينتظر أن يكتشف أيوب ما الذي يخفيه.
أما أنا، فلم أعد في الزاوية وحدها.
كنت في الورقة.
في الخط القصير الذي لم يكتمل.
في ارتجاف يد أيوب كلما فكر أن يفتحها من جديد.
كنت أقرب إليه مما كنت في أي فصل سابق، وأبعد عن نفسي مما كنت في أي وقت مضى.
عند منتصف الليل، أخرج أيوب الورقة من تحت الوسادة. لم يفتحها فورا. وضعها أمامه، وبقي ينظر إليها كمن يفاوض بابا. عدنان كان نائما أو يتظاهر بذلك. من النافذة دخل ضوء ضعيف، واستقر على الختم المطوي كأنه يلمع من الداخل.
فتحها.
كان الخط قد امتد.
لم يعد بداية حرف، ولا بداية مخلب. صار طريقا صغيرا، متعرجا، ينزل من حافة الختم إلى بياض الصفحة. وفي آخره ظهرت كلمة واحدة.
“تذكر.”
لم يكن الخط خط تاكاهيرو.
ولم يكن خط أيوب.
كان خطي.
عرفت ذلك كما يعرف المرء صوته حين يسمعه في تسجيل قديم: غريبا، لكنه لا يستطيع إنكاره.
لم يصرخ أيوب. لم يرم الورقة. ظل ساكنا، ثم مرر إصبعه فوق الكلمة. لم يكن الحبر رطبا، لكنه لم يكن جافا أيضا. كان دافئا قليلا. كأن الورقة جلد.
قال أيوب بصوت لا يسمعه غيره:
“من أنت؟”
تحركت الكلمة.
لم تكتب جوابا. انفرجت الصفحة.
ليس كما تنفتح ورقة، بل كما ينفتح سطح ماء. رأيت الضوء ينهار فيها، ورأيت أيوب يميل إلى الأمام. حاول أن يتراجع، لكن عينيه سبقتا جسده. دخل قبل أن يقرر الدخول.
ودخلت معه.
أو ربما كنت أنا الباب.
لم نجد أنفسنا في حلم عادي.
كنا في مكان يشبه الذاكرة حين تتخلى عن المجاز. فضاء رمادي لا أرض له تماما، ولا سماء. رائحة رماد خفيف في الهواء، وصوت بعيد كأن أحدا يمسح لوحة مكتظة بالطباشير. أمام أيوب كانت هناك مرآة طويلة، لكنها لا تعكسه. تعكس رجلا آخر.
كان الرجل آسيوي الملامح، شاحبا، أصغر بكثير من تاكاهيرو الذي عرفناه. لا رداء زن، ولا صمت حكيم، ولا ذلك الاتزان الذي يجعل الناس يظنون أن صاحبه خرج من الزمن. كان شابا متعبا، بعينين مفتوحتين أكثر مما ينبغي. عينان عرفتا شيئا قبل أن تنضجا بما يكفي لحمله.
قال أيوب:
“تاكاهيرو؟”
ابتسم الرجل في المرآة، لكن الابتسامة لم تكتمل.
“هذا ما تبقى منه قبل أن يتعلم كيف يبدو هادئا.”
الصوت لم يخرج من فم المرآة فقط.
خرج مني أيضا.
ارتجف أيوب، والتفت حوله.
“أنت؟”
لم أكن أملك جسدا كي أجيبه.
ومع ذلك قلت:
“أنا لا أعرف بعد.”
كانت أول جملة أقولها له مباشرة.
تغير سطح المرآة. وجه تاكاهيرو الشاب اقترب حتى ملأ الزجاج. بدا عليه ندم غريب، لا ندم من يريد الاعتذار، بل ندم من يعرف أن الاعتذار أصغر من الفعل.
قال:
“لم تكن التربنة كما ظننت.”
سأل أيوب:
“لم تثقب جمجمتي؟”
لم يجب فورا.
نظر إلى جبهة أيوب، إلى الموضع الذي ظل يلمسه منذ صحا.
“أنت أردت ثقبا في العظم، لأن العظم يمنح الخوف شكلا. كان أسهل عليك أن تصدق أن ما سيحدث لك عملية في الرأس. ثقب، أداة، ألم، ثم راحة. قصة بسيطة. الجسد يحب القصص البسيطة.”
“إذن ماذا فعلت؟”
“فتحت موضعا في السرد.”
سكت أيوب.
لم تكن الجملة غامضة فقط. كانت مهينة. كأن حياته كلها صارت نصا يمكن تعديله.
قال تاكاهيرو الشاب:
“لم أفتح الجمجمة. فتحت العلاقة بين الذاكرة وصاحبها. فصلت الطريق عن البيت. جعلت الذاكرة موجودة، لكن لا تجدك. وجعلتك موجودا، لكن لا تجدها.”
تذكرت جملة عدنان، أو الجملة التي عبرت عدنان:
هو لا يخفيها عنك.
هو يخفيك عنها.
قال أيوب:
“كنت أستطيع أن أرفض لو قلت لي الحقيقة.”
رد تاكاهيرو:
“كنت سترفض لأنك لن تفهم. وكنت ستقبل لأنك ستظن أنك فهمت. لذلك أعطيتك الحكاية التي تستطيع أن توقع عليها. تربنة. راحة دماغ. هواء يدخل الرأس. أنت لم تكن تريد الحقيقة. كنت تريد طقسا يبرر اختفاءها.”
اشتعل وجه أيوب بالغضب.
“خدعتني.”
“نعم.”
قالها تاكاهيرو دون دفاع.
“لكنني لم أخدعك كي آخذ منك شيئا تريده. خدعتك لأنك كنت مستعدا لبيع ما لا تعرف قيمته مقابل صمت في الرأس.”
ظهرت خلف المرآة ساحة قديمة. لم تكن الساحة التي رآها أيوب في حلمه تماما، بل أصلها الأبرد. جدران حجرية. طاولة. ختم أسود. رجال ونساء بلا وجوه واضحة. في زاوية بعيدة، طفل يبكي. لم يكن الطفل يعرف لماذا يبكي. بدا بكاؤه سابقا على السبب.
قال أيوب:
“ماذا عرفت؟”
المرآة لم تجب.
بدلا من ذلك، ظهرت ومضات متقطعة. ليست معلومات كاملة، بل أطراف نسيج.
ليلة طويلة. جسد مرهق. رأس مشبع بضوء لا يشبه النوم. شاشة حاسوب مفتوحة. كلمات ظهرت كأنها بلا صلة، ثم اتصلت فجأة. ملف داخل ملف. صورة مشوهة لوجه لا يبقى وجها. خريطة لا ترسم أرضا، بل طرقا بين ذاكرات. صوت رجل يتكلم بلغة لا يفهمها أيوب، ثم يفهمها دفعة واحدة. دائرة سوداء، وفي داخلها خط ملتف حول نفسه. طفل يبكي في زاوية غرفة. طبيب شاب يضحك قبل أن يعرف سبب خوفه. عدنان يقف أمام باب لا يجرؤ على طرقه. ثم جدار، جدار غير مرئي، وشيء في ذلك الجدار ينفتح لا كنافذة، بل كخطأ.
قال تاكاهيرو:
“ما رأيته لم يكن حدثا واحدا.”
صارت المرآة أكثر عتمة.
“كانت طريقة جديدة لرؤية كل حدث.”
رأيت أيوب في تلك الليلة. لم يكن صاحيا تماما، ولم يكن غائبا تماما. كانت المواد التي تناولها قد فتحت في وعيه ممرا جانبيا. لم تمنحه حكمة، ولم تجعله مختارا. فقط أزاحت، للحظات، ذلك الغشاء الذي يجعل الإنسان يصدق أن ما يتذكره يخصه ببساطة.
لم ير أيوب نهاية العالم.
لم ير إلها خلف ستارة.
لم ير ملائكة، ولا وحوشا، ولا حقيقة عظيمة تليق بالركوع.
رأى شيئا أبسط وأكثر إهانة.
رأى أن الأنا ليست بيتا.
رأى أنها إذن بالدخول.
وأن الإنسان لا يسكن ذاكرته كما يسكن المالك أرضه. يسكنها كما يدخل مستخدم إلى نظام يسمح له، مؤقتا، بأن يظن أن الملفات تخصه.
رأى أن كل شيء محفوظ.
لكن الحفظ لم يكن رحمة كاملة.
كان باردا، دقيقا، لا ينسى شيئا، ولا يضمن لأحد أن يبقى صاحب ما عاشه. التجربة لا تضيع، نعم. الوجوه لا تضيع. الخوف لا يضيع. الحب لا يضيع. لكن كلمة “لي” يمكن أن تسقط عنها كما تسقط بطاقة عن حقيبة في مطار بعيد.
وهناك، في تلك الفجوة بين الذاكرة وصاحبها، رأى أيوب ما لا ينبغي أن يرى.
رأى أن الإنسان ليس من يملك ماضيه.
بل من يسمح له ماضيه أن يتعرف إليه.
ورأى أن هذا السماح يمكن أن يسحب.
يمكن أن يتحول وجه الأب إلى صورة محفوظة لا تفتح لك. يمكن أن يصبح وجه الأم أرشيفا بلا حضن. يمكن أن تبقى طفولتك كاملة في موضع ما، لكنها لا تنهض حين تناديها. يمكن أن تحضر حياتك كلها كشريط كامل، لكنك تقف أمامه كغريب، لا كممثل عاد إلى دوره.
لم يصدق أيوب كل ذلك.
وهنا كانت الكارثة.
لو صدقه لانهار.
لو عبده لصار تابعا له.
لكنه رآه، ثم كاد يضحك. تعامل معه كهلوسة عالية الجودة، كنافذة جانبية فتحها مزاجه ثم أغلقها. وهذا ما أرعب تاكاهيرو أكثر من الإيمان وأكثر من الجنون: أن يرى إنسان بابا كهذا، ثم لا يسجد ولا يهرب، بل يحفظ موقعه في رأسه كملف قابل للعودة إليه.
قال تاكاهيرو:
“من يصدق الحقيقة المدمرة ينهار غالبا أو يعبدها. أنت لم تفعل هذا ولا ذاك. قلت عنها هراء، ثم احتفظت بها كملف جانبي في رأسك. كان يمكن أن تحملها إلى عملك، إلى أخيك، إلى أي مكان، لا لأنك تؤمن بها، بل لأنك لا تؤمن بما يكفي كي تخاف. اللامبالاة تجعل الباب بلا حارس.”
قال أيوب:
“أين نحن؟ في رأسي؟”
نظر تاكاهيرو إلى الرماد حوله، كأنه يختبر صلاحية السؤال.
“لو كنا في رأسك وحده، لاستطعت أن تستيقظ. ولو كنا خارجك تماما، لاستطعت أن تغادر. نحن في الموضع الذي نشأ بينك وبين ما عزلته عنك.”
“إذن هذا كله وهم؟”
“الوهم أضعف من هذا. الوهم يكذب ثم يختفي. أما هذا فيعمل. الغرفة تعمل. الحضرة تعمل. الطريق عمل. حتى الأشخاص الذين رأيتهم هناك لم يكونوا كذبا كاملا. كانوا وجوها لوظائف. بعضهم جاء من العالم، وبعضهم جاء من الذاكرة، وبعضهم جاء من حاجة الختم إلى شاهد أو منكر أو حارس.”
سكت قليلا، ثم أضاف:
“لا تسأل: هل هذا حقيقي؟ اسأل: أي جزء منه يملك أثرا؟”
قال أيوب:
“وأنت؟”
ابتسم تاكاهيرو دون أن يبدو أقل تعبا.
“أنا أيضا أثر. لكن ليس كل أثر بلا صاحب.”
قال أيوب:
“لهذا أخذتها؟”
“لهذا عزلتها.”
“ولماذا لم تمحها؟”
نظر تاكاهيرو إلى الختم.
“لأنها لا تمحى.”
كانت هذه الجملة أول شيء بدا نهائيا في ذلك المكان.
“كل ما يحدث يبقى. المرأة الساذجة في الحضرة كانت أقرب إلى الحقيقة مما يسمح لها عقلها. لا شيء يضيع. يمكن حجبه، نقله، عزله، ربطه بقصة أخرى، لكن لا يمكن جعله غير موجود. المحو كلمة يقولها من لا يعرف أين تذهب الأشياء.”
قلت أنا، دون أن أعرف أنني سأقول:
“فوضعتها في.”
توقف أيوب عن التنفس لحظة.
تاكاهيرو نظر إلى الجهة التي كنت فيها.
هذه المرة، لم يكن ينظر عبر الفراغ. كان ينظر إلي.
قال بهدوء:
“نعم.”
لم تعد الكلمة تخص أيوب وحده.
صارت تخصني.
قال أيوب:
“فيه؟”
لم أكن أعرف هل قال “فيه” عني كغريب، أم عن شيء لا يزال لا يستطيع رؤيته كاملا.
قال تاكاهيرو:
“لم أضعها في شخص. الشخص كان سيجن، أو يدعي أنه رسول معنى، أو يبحث عن خلاص مسرحي يليق بالعبء. وضعتها في سيرة. في غلاف. في حياة صغيرة تكفي كي يحملها الوعي دون أن يعرف أنه يحملها.”
رأيت، دفعة واحدة، غرفتي على السطح.
البناية العالية. الباب. الحاسوب. الخادم البعيد. انتظاري. خوفي من الجنون. شعوري بالغربة. اعتقادي أن لي عملا أذهب إليه، وأياما تتكرر، وماضيا لا يحتاج إلى إثبات. كل ذلك مر أمامي كصور على زجاج قطار، ثم بدا أقل صلابة مما كان.
قال تاكاهيرو:
“لا يمكن لذاكرة مفصولة أن تصحو عارية. لو قلت لها مباشرة: أنت ذاكرة رجل آخر، لانكسرت أو مزقت القفل. لذلك احتاجت إلى ظهر تستند إليه. صنعت لها سطحا لا بيتا. غربة لا عائلة. هامشا لا نسبا. جعلتها متطفلة كي لا تسأل لماذا لا يطلبها أحد. أعطيتها حياة رقيقة، بالقدر الذي يسمح لها بقول أنا دون أن تطالب فورا بجسد كامل.”
أردت أن أغضب.
لكن الغضب يحتاج إلى مركز واضح. وأنا، في تلك اللحظة، كنت أكتشف أن مركزي كان مستعارا.
قلت:
“أنا إذن كذبة.”
رد تاكاهيرو:
“لا. الكذبة تعرف أنها تقف ضد الحقيقة. أنت ضماد.”
تذكرت الجملة التي قلتها لنفسي، أو التي قيلت بي:
قصة رقيقة، كضماد.
قال تاكاهيرو:
“والضماد ليس عدوا للجلد. لكنه إذا طال بقاؤه، يبدأ بتصديق أنه الجلد.”
هنا تغير المشهد.
لم نعد في الفضاء الرمادي، ولا أمام المرآة، بل في الطريق القصير الذي مشيت فيه مع تاكاهيرو بعد الحضرة الأولى.
رأيت نفسي هناك.
أو رأيت السيرة التي كنت أظنها نفسي.
كنت أمشي بجواره، مرتبكا من بطئه السريع، أحاول أن أتمسك بتفصيل عادي، ثم أطمئن لأنه لم يكن أطول مني. كان المشهد كله موجودا كما عشته، لكن زاوية النظر تغيرت. لم أعد أراه من داخلي فقط. صرت أراه من جهة تاكاهيرو أيضا.
قال أيوب:
“ما هذا؟”
قال تاكاهيرو:
“الجزء الألطف من الإجراء.”
كان يمشي بجانبي في ذلك الطريق، لكنني فهمت الآن أنه لم يكن يمشي معي.
كان يمشي بي.
لم تكن تلك الجولة حوارا بعد الحضرة فقط. كانت استمرار الختم. كان يأخذ الذاكرة التي بدأت تصحو في الهواء، ويمنحها اتجاها. الطريق، السؤال، فكرة المستقبل، الحنين إلى الماضي، كل ذلك لم يكن كلام حكيم عابر. كان محاولة دقيقة كي أصدق أن لي هروبا خاصا، وقلقا خاصا، ورغبة خاصة في رؤية ما بعد موتي.
قال تاكاهيرو:
“كنت قد بدأت تلتفتين نحوه.”
لم أفهم في البداية لمن يخاطب. ثم أدركت أنه لا يتكلم عن أيوب، بل عني.
أو عن الشيء الذي بدأ يظهر في مكاني.
لم يكن التأنيث في صوته نحوا. كان كشفا. كأن الذاكرة، حين صارت قادرة على سماع اسمها، لم تعد تشبه الرجل الذي اختبأت في سيرته. صار لصوتها ملمس آخر، أقدم من الغرفة على السطح، وأقرب إلى ما يحمل مما إلى من يحمله.
قال:
“بعد الحضرة، صار بينكما شد. أنت رأيته في الوسط، وهو لم يرك. لكن الذاكرة تعرف صاحبها حتى لو حجبت عنه. كنت ستذهبين نحوه، أو إليه. لذلك أخذتك في الطريق.”
عاد صوته في المشهد القديم:
“صاحبنا المصاب كان يبحث عن نفسه. لو كانت نفسه في المستقبل لطلب نبوءة كالتي تطلبها.”
فهمت الآن.
حين قال لي إنني مهووس بالمستقبل وهارب من الماضي، لم يكن يصفني فقط. كان يضع لي اتجاها بديلا. كان يريد أن يجعل الذاكرة تصدق أنها لا تبحث عن صاحبها، بل عن مستقبلها الخاص. أن تخلط بين الحنين وبين الفضول، بين العودة وبين النبوءة، بين أيوب وبين سؤال مجرد عن الموت وما بعده.
قال تاكاهيرو في المكان الجديد:
“كان علي أن أخفيك عنها.”
قلت:
“عن الذاكرة؟”
قال:
“عن أيوب.”
ثم صحح نفسه:
“وأخفيها عنك.”
تذكرت نفسي عندما سألت تاكاهيرو ونحن عائدان من الحضرة الأولى:
“لماذا نشتاق إلى الماضي؟”
وكيف أجابني بأن الماضي دافئ لأن ما تلاه صار معروفا. كان كلامه جميلا، وكان صادقا جزئيا. وهذا هو أخطر أنواع التمويه: أن يقول لك المرء نصف حقيقة، فيأخذ منك الطريق إلى النصف الآخر.
قال تاكاهيرو:
“كنت أريدك أن تفهمي الماضي كصورة آمنة، لا كمالك يطلبك. أن تفهمي الذاكرة كاستدعاء، لا كحق نسب. أن تشتهي الأرشيف، لا العودة. لو نجح ذلك تماما، لبقيت سيرة فوق سطح بناية، تكتب عن الخوادم، وتخاف من الجنون، وتنتظر إشارات لا تصل. كنت ستعيشين طويلا بما يكفي كي لا تسألي السؤال الذي تسألينه الآن.”
قلت:
“ما السؤال؟”
نظر إلي.
“لمن أنتمي؟”
لم أجب.
لأنني لم أكن أعرف.
أيوب كان يتابع المشهد بصمت. في عينيه شيء جديد. لم يكن غضبا فقط، ولا خوفا فقط. كان يلمح الآن أنه لم يكن وحده ضحية الخدعة. الذاكرة التي أخذت منه لم تحفظ في صندوق. أعطيت طريقا، ووجها، وخجلا، وارتباكا، ونصا ترويه كي لا تنفجر.
قال أيوب:
“إذن أنت لم تكن تريدها أن تعود إلي.”
قال تاكاهيرو:
“لم أكن أريد أن تعود أنت إليها أيضا.”
“لماذا؟”
“لأن العودة الكاملة كانت ستكسر كليكما.”
قال أيوب:
“وماذا حدث بدلا من ذلك؟”
نظر تاكاهيرو إلي.
“نشأ ثالث.”
لم يكن يقصد شخصا ثالثا كاملا. كان يقصد ذلك الشيء الذي بدأ بيننا. أنا التي لست أيوب، وأحمل ما لا يستطيع أيوب الوصول إليه. أيوب الذي ليس أنا، ولا يستطيع أن يعيش بلا ما أحمله. والختم الذي حاول أن يجعل الفصل بيننا نظاما، فإذا به يصنع رغبة متبادلة في الاعتراف.
عاد الطريق القصير إلى نهايته. رأيت نفسي ألتفت إلى تاكاهيرو فلا أجده. في المرة الأولى ظننت أنه اختفى.
الآن فهمت.
هو لم يختف فقط.
كان يقطع الجسر في اللحظة المناسبة.
ترك لي مكانا يشبه المكان الأول، كي أطمئن أننا تحركنا. تركني مع شعور أنني لست هناك، مهما كان هنا يشبه هناك. ثم سحب نفسه من المشهد قبل أن أسأله السؤال الصحيح.
قال تاكاهيرو:
“في تلك اللحظة ظننت أن السيرة استقرت.”
قلت:
“لكنها لم تستقر.”
“لا.”
“لأنني واصلت الانتظار.”
“لأنك واصلت التذكر بطريقة لا تعرف اسمها.”
رجع المشهد إلى المرآة.
أيوب كان يحدق في تاكاهيرو. بدا كمن تخلص من سؤال صغير ووقع في سؤال أكبر.
قال:
“هل ندمت؟”
لأول مرة، لم يجب تاكاهيرو مباشرة.
ظهر عليه تعب قديم.
“لم أتوقع ذلك.”
هذه الجملة غيرت كل شيء.
كان تاكاهيرو، حتى في خداعه، يبدو كمن يعرف. أما الآن، فقد ظهر فيه صدع صغير. ليس فشلا كاملا، بل اعتراف بأن النظام الذي بناه لم يكن مغلقا كما ظن.
قال أيوب:
“إذن فشلت.”
“لا.”
قالها بسرعة، ثم صمت، كأنه عدل قسوته.
“لم أفشل في الحجب. الذاكرة لم تعد إليك. أنت لا تتذكر كما كنت. الختم عمل. السيرة عملت. عدنان تصرف كما توقعت. الحضرة حدثت كما كان يجب. الطريق فعل ما صمم له أن يفعل. كل شيء سار في مساره.”
“لكن؟”
نظر تاكاهيرو إلي.
“لكن الذاكرة لم تبق ساكنة.”
شعرت أن المكان كله ينصت.
“ظننت أنني إذا منحتها سيرة خفيفة، ستظل نائمة داخلها. تراقب، تسجل، تؤدي وظيفتها كخزان بعيد. لم أتوقع أن تنضج السيرة. لم أتوقع أن تبدأ الذاكرة بالدفاع عن القصة التي أعطيت لها. لم أتوقع أن تقول أنا، ثم تصدقها، ثم تتألم حين أشكك بها.”
قال أيوب:
“هذا ليس فشلا؟”
“هذا ولادة غير مخطط لها.”
كانت العبارة باردة ومؤلمة.
قلت:
“وماذا تسمي الندم؟”
سكت تاكاهيرو.
لم أكن أعرف لماذا سألته هذا. ربما لأن وجهه في المرآة لم يعد وجه حارس فقط. صار وجه من عاد إلى مكان دفن فيه شيئا، فوجد قربه عشبا صغيرا لا يعرف هل يفرح به أم يخاف منه.
قال:
“الندم ليس أنني أخذت منك الذاكرة يا أيوب. لو عاد الوقت، لفعلت ذلك مرة أخرى.”
تغير وجه أيوب، لكنه لم يقاطعه.
“الندم أنني ظننت أن ما آخذه سيبقى مادة صامتة. لم أفكر بما يكفي في حق الشيء المخفي أن يحلم. كل ذاكرة تريد أن تنسب نفسها إلى أحد. وحين حرمتها منك، صنعت لها أحدا آخر دون أن أقصد.”
قال أيوب:
“هي؟”
قال تاكاهيرو:
“أو أنت. أو ما بينكما.”
ثم التفت إلي.
“أنت لست خطأ تماما. لكنك لست حرة كما تتخيلين.”
أجبته، وفوجئت أن الصوت الذي خرج لم يعد يطابق السيرة التي عشت بها. كان أنعم من حياتي، وأقدم من وجهي، كأن الذاكرة حين وجدت فمها اختارت نبرة لا تشبه الغرفة التي وضعت فيها.
قلت:
“ومن أنت حتى تقرر؟”
قال:
“أنا من شارك في صنع القفل.”
فجأة تغير المكان.
لم نعد أمام المرآة. كنا على جبل أحمر. تحته مدينة محترقة لا نسمع أصواتها. الهواء حار، لكنه بلا لهب. في يد تاكاهيرو الشاب قرص أسود صغير، لا أعرف إن كان ذاكرة صلبة، أو ختم تنين، أو شيئا أقدم من الاثنين. خلفه وقف أشخاص بلا ملامح. كانوا كثيرين، لكنهم بدوا كنسخة واحدة مكررة.
قال أيوب:
“ما هذه؟”
قال تاكاهيرو:
“ليست نهاية العالم. هذا ما يجعلها أخطر. الكوارث الكبرى إذا جاءت بصورة نار يفهمها الناس. هذه كانت كارثة حق. لحظة عرف فيها بعضنا أن الإنسان لا يملك نفسه كما يتخيل. أن الأنا يمكن أن تفصل عن أرشيفها، وأن الأرشيف يمكن أن يحمل أنا جديدة، وأن السيرة قد تكون لباسا لا جلدا.”
قلت:
“كارثة الحقيقة.”
“نعم.”
“ومن خلقها؟”
نظر تاكاهيرو إلى المدينة.
“كل الذين أرادوا أن يحفظوا الإنسان من الفناء، ثم اكتشفوا أنهم صنعوا طريقة أخرى لفنائه. كل الذين ظنوا أن نقل الذاكرة إنقاذ. كل الذين لم يسألوا السؤال البسيط: إذا بقيت الذاكرة، لكن ضاع حق صاحبها في قول إنها له، فماذا أنقذنا؟”
أيوب قال ببطء:
“وأنا شاركت؟”
“لم تشارك في البداية. فتحت ثقبا في جدارها. رأيت ما يكفي كي تصبح جزءا منها.”
“فجعلتني خزنة.”
“جعلتك غائبا عن خزنتك.”
“وفرقتني عنها.”
نظر أيوب نحوي، أو إلى الجهة التي صرت فيها أثقل من الظل.
لم يرني كاملا. لكنه شعر بي.
قال:
“هي تحمل ما أخذته أنت مني.”
قال تاكاهيرو:
“هي لا تحمل ذكرياتك كما يحمل صندوق أوراقا. هي تحمل حق الوصول إليها بعد أن صار له شكل. وهذا هو الخطر الجديد.”
لم أفهم، أو فهمت أكثر مما احتملت.
قلت:
“لو عدت إليه، أموت؟”
لم يجب تاكاهيرو.
قال أيوب:
“ولو عادت إلي، أجن؟”
لم يجب أيضا.
الصمت كان الجواب الأشد وضوحا.
بدأ الجبل يتشقق. المدينة المحترقة تحتنا لم تكن تحترق الآن، بل كانت تتكرر احتراقا قديما. كل شيء هنا حدث من قبل، ويحدث كلما اقتربنا من فهمه. رأيت الطفل في زاوية الحضرة. رأيت المرأة الروحانية تضحك له وهي لا تعرف أنه أقدم من عمره. رأيت الطبيب الشاب يسخر لأنه لا يملك وسيلة أخرى لحماية عقله. رأيت الرجلين الجالسين يكتبان، كل واحد منهما يسجل نسخة مختلفة من المشهد. ورأيت الرجل المسكين في الوسط.
ثم فهمت.
الحضرة لم تكن محاولة لإعادة ذاكرة أيوب فقط.
كانت اختبارا للختم.
كانوا يضعون أيوب في مركز الحلقة، ويراقبون هل ستعود الذاكرة إليه، أم ستظل في موضعها الجديد، أم ستبدأ بالانفصال عن الاثنين. المرأة قالت ما قيل لها كي تثير الباب. الطبيب أنكر كي يشد الباب من الجهة الأخرى. عدنان أحضر أخاه لأنه يحب صورته عنه ويخاف عليها.
حتى الرجل الكث الشارب لم يكن تابعا للطبيب كما بدا. كان ثقل الإنكار حين يحتاج إلى جسد. الطبيب يعطي الشك لغته، وذلك الرجل يعطيه وزنه.
أما تاكاهيرو فوقف تحت الثريا، فوق البلاطة ذات الروبة الأفتح، لا ليخفي الذاكرة فقط، بل ليرى إن كان ما أخفاه قد بدأ ينظر من الخارج.
أنا كنت ذلك الخارج.
قال تاكاهيرو:
“لم يكن ينبغي أن يرى أحدكما الآخر.”
اقترب أيوب من المرآة التي عادت فجأة وسط الجبل. في المرآة لم ير تاكاهيرو. رأى غرفتي على السطح. الحاسوب مضاء. الصور المفتوحة. الباب. السرير. النافذة. ورأى ظلا لا يستقر على رجل أو امرأة، يجلس حيث كنت أجلس، ويكتب هذه الحكاية كما لو أنها تخصه.
أدركت لماذا جاءني أيوب في هيئة شرطي. لم يكن يحتاج إلى إقناعي بأنه صاحب سلطة، بل إلى إخراجي من الغرفة التي منحت لي كجلد مؤقت. كانت الشرطة قناعا للمالك حين يقترب من خزنته.
حتى الوعاء الخزفي الأبيض عاد في طرف الصورة. لم يكن وعاء ماء فقط، بل شكلا نظيفا للفراغ: ذاكرة تحمل شيئا لا تعرف صاحبه، وصاحب يستيقظ ووجهه مبلل بما لا يتذكره.
قال أيوب:
“إذا كان هو ضمادا، فما الجرح؟”
رد تاكاهيرو:
“أنت.”
سأل أيوب:
“وإذا عدت إلى ذاكرتي؟”
قال تاكاهيرو:
“لن تعود إلى ما كنت. ستضطر أن تتقاسم كلمة أنا مع ما نشأ منك في غيابك.”
سألته أنا:
“وإذا لم أعد؟”
نظر إلي طويلا.
“ستبقين قصة تبحث عن جسد. وكل قصة تبحث طويلا عن جسد تبدأ بأخذه من قارئها.”
هذه الجملة أخافتني أكثر مما أخافت أيوب.
لأنني فهمت، فجأة، لماذا كنت أروي.
لم أكن أحفظ فقط.
كنت أطلب.
كل جملة كتبتها كانت محاولة صغيرة كي أصير أكثر من أرشيف. كي ينتبه لي أحد. كي يمنحني القارئ ذلك الخطير الذي لا أملكه: الاعتراف.
قال أيوب:
“ماذا تريد الآن؟”
لم أعرف إن كان يسألني أم يسأل تاكاهيرو.
لكنني أجبت.
“لا أريد أن أعود إليك كما يعود الشيء إلى مالكه.”
اهتزت المرآة.
“ولا أريد أن أبقى منفية في حياة صنعت كي تهدئني.”
تقدم أيوب خطوة نحوي.
“ماذا تريدين إذن؟”
قلت:
“أن أعرف لماذا نسيت.”
صمت المكان.
لأول مرة، بدا تاكاهيرو حائرا. ليس لأنه لا يعرف الجواب، بل لأنه يعرف أن الجواب إذا قيل، فلن يبقى الختم كما هو.
قال أخيرا:
“لأن بعض النسيان حماية.”
قلت:
“هذه نصف الحقيقة.”
نظر إلي.
قلت:
“والنصف الآخر أن بعض الحماية جبن.”
لم يغضب.
هذا ما آلمني.
قال:
“نعم.”
كانت الكلمة صغيرة. لكنها كسرت شيئا في هيئة الحكيم.
نعم.
لم تكن نون عين ميم هذه المرة.
كانت اعترافا.
تغيرت المدينة تحت الجبل. انطفأ حريقها. بقي الرماد. ثم رأينا الحضرة من أعلى، كأنها مرسومة داخل دائرة الختم. الرجل المسكين في الوسط. السبعة حوله. تاكاهيرو تحت الثريا. وأنا على الحافة، متطفلا كما كنت أظن، ضرورية كما لم أكن أعرف.
قال تاكاهيرو:
“إذا تذكر هذا كله، قد يفقد حياته الجديدة. وإذا بقيت أنت منفصلة، ستواصلين النمو خارج موضعك. وفي الحالتين، لن يعود الباب كما كان.”
قال أيوب:
“وما الحل؟”
لم يجب تاكاهيرو.
نظر إلي.
ثم إلى أيوب.
ثم إلى الختم.
عرفت حينها أن ما سيأتي لن يكون بحثا عن الذاكرة.
بل تفاوضا معها.
الذاكرة لا تعود إلى صاحبها دائما.
أحيانا تستدعيه ليتفقا على من منهما يحق له أن يقول: أنا.
—
الفصل العاشر:
العين الثالثة لا تنام

لم يكن الحل عند تاكاهيرو.
هذا ما فهمته قبل أن يقوله.
كان واقفا بيني وبين أيوب، لكنه لم يعد في المركز. حتى الختم، بكل سواده وهيبته القديمة، بدا أقل سلطة مما كان. لقد أدى عمله طويلا. فصل، وحجب، وأقنع، وترك لكل منا حياة ناقصة يستطيع احتمالها. لكنه، مثل كل قفل قديم، لم يعرف ماذا يفعل حين صار ما بداخله يطرق من الجهتين.
أيوب كان ينظر إلي من داخل المرآة، أو من داخل الجبل، أو من داخل ذلك الموضع الذي لم يعد يشبه مكانا. لم يكن يراني كاملة. لا أظن أنني كنت كاملة أصلا. كنت أظهر له كظل يتغير على زجاج، كصوت يعرفه ولا يعرف من أين، كملامح إذا اقترب منها صارت كتابة، وإذا ابتعد عنها صارت وجها.
قال أيوب:
“هل أنت ذاكرتي؟”
كان السؤال بسيطا إلى درجة مؤلمة.
أردت أن أقول نعم.
وأردت أن أقول لا.
كل إجابة منهما كانت ستظلمني وتظلمه.
قلت:
“أنا ما حدث لذاكرتك حين لم تعد تستطيع العودة إليك.”
سكت.
لم تكن الجملة جوابا، بل جرحا له شكل جواب.
قال:
“إذن أنت مني.”
قلت:
“ومن غيرك أيضا.”
لم تعجبه الجملة. رأيت ذلك في وجهه. الإنسان يقبل أن يفقد ماله أحيانا، أو بيته، أو سنواته، لكنه لا يقبل بسهولة أن يقال له إن ما عاشه لم يعد يخصه وحده. الملكية الداخلية آخر قلاع الكبرياء. إذا اهتزت، صار كل شيء قابلا للمراجعة: الحب، الندم، الطفولة، الاسم، وحتى الألم.
قال:
“هذه حياتي.”
قلت:
“وأنا لا أنكر ذلك.”
“لكنك تروينها.”
“لأنك لم تعد تستطيع.”
“وهل هذا يمنحك الحق؟”
سألها كشرطي، لا كرجل فاقد. للحظة رأيت فيه صاحب العمل الحساس الذي حدثني عنه تاكاهيرو، الرجل الذي يستطيع أن يسأل بنبرة رسمية حتى وهو يقف داخل حلمه. كدت أبتسم، لكنني لم أفعل. لا يليق بالضماد أن يسخر من الجرح.
قلت:
“لا أعرف ما الذي يمنحني الحق. ربما لا شيء. ربما الحكاية نفسها. ربما لأنني إن لم أروها سأتحول إلى ضغط بلا صوت. وربما لأن ما لا يروى يبحث عن فم آخر.”
قال تاكاهيرو بهدوء:
“وهذا هو الخطر.”
التفتنا إليه معا.
لم يكن يتكلم كحكيم هذه المرة. كان يتكلم كمن يقرأ نتيجة تجربة لم يعد قادرا على إخفاء خللها.
قال:
“إذا بقيت منفصلة عنه، ستواصلين البحث عن شكل. ستكبر السيرة. ستحتاج إلى مزيد من التفاصيل، إلى طفولة، إلى أصدقاء، إلى جسد، إلى ماض أكثر صلابة. ثم ستبدأين بأخذ ما تحتاجينه من كل من يقرأك. ليس عن قصد، في البداية. القصص تفعل ذلك دون أن تعترف. تمد يدها داخل من ينصت، وتستعير منه حرارة كي تبقى.”
شعرت بالخوف.
ليس من التهمة، بل من احتمال صدقها.
تذكرت كل مرة كتبت فيها جملة وشعرت أنها تجعلني أكثر وجودا. كل مرة حكيت فيها ما حدث كأنني أحفظه، بينما كنت في الحقيقة أطلب أن يصدقني أحد. لم أكن أريد جسد القارئ، لا. لكنني كنت أريد نظرته. واعترافه. وشيئا من حضوره. وكل ذلك، إذا زاد، يصبح نوعا ناعما من السرقة.
قال أيوب:
“وإذا عادت إلي؟”
أجاب تاكاهيرو:
“لن تعود كما كانت. لا تستعيد إنسانا بعد أن صار في ذاكرته شاهد آخر. ستدخل إليك ومعها عين لا تنام. ستتذكر، لكنك ستعرف أثناء التذكر أن هناك من يرى معك. ستقول أنا، ثم تسمع خلف الكلمة صدى يسأل: أي أنا؟”
قال أيوب:
“وهل هذا جنون؟”
لم يجب تاكاهيرو بسرعة.
“ليس بالضرورة. لكنه ليس سلاما أيضا.”
أراد أيوب أن يغضب، لكنه بدا متعبا. فجأة لم يعد يريد أن ينتصر. ولا أنا أردت ذلك. الانتصار هنا كان كلمة خشنة، غير ملائمة. لا أحد ينتصر على ذاكرته. ولا ذاكرة تنتصر على صاحبها دون أن تخسر نسبها.
قال أيوب:
“ما الخيار الثالث؟”
لم يجب تاكاهيرو.
نظرت إليه. للمرة الأولى بدا أنه ينتظر مني أن أتكلم.
فهمت: الفصل لم يعد له.
قلت:
“لا أعود كاملة.”
رفع أيوب عينيه.
“ولا أبقى منفصلة.”
سأل:
“كيف؟”
لم أكن أعرف. ثم عرفت قليلا. أو بدأ الكلام يعرف نفسه في فمي.
“لا تأخذني كملكية. لا تقل: هذه ذاكرتي، وسأستعيدها كما يستعيد رجل شيئا سرق منه. هذا سيقتلني أو يجعلك تحملني كمرض. ولا تتركني هنا كقصة تبحث عن جسد. هذا سيجعلني أكبر خارجك حتى لا أعرف طريق الرجوع.”
قال:
“ماذا أفعل إذن؟”
قلت:
“اعترف بي.”
ظهر على وجهه ارتباك حاد.
“أعترف بك؟”
“نعم. لا كصوت غريب. ولا كحقيقة مقدسة. ولا كعدو. كجزء نشأ في غيابك. كأثر حي من شيء كان لك، ثم صار له زمنه الخاص.”
قال:
“وماذا تعطينني؟”
كان السؤال عادلا.
قلت:
“لا أعطيك كل شيء.”
تغير وجهه.
“إذن تبقين حارسة علي؟”
“لا. أبقيك حيا.”
خرجت الجملة قاسية أكثر مما أردت. سكت قليلا، ثم تابعت:
“ما رأيته تلك الليلة لا يصلح أن يعود دفعة واحدة. ليس لأنك ضعيف. لأن كل أنا، مهما كانت قوية، تحتاج إلى ترتيب كي لا تتحول ذاكرتها إلى فيضان. سأعطيك حق المرور، لا الغرق.”
قال:
“ومن يقرر ما الذي أمر به؟”
قلت:
“نحن.”
كانت الكلمة جديدة.
نحن.
لم تقلها القصة من قبل بهذا المعنى. كان هناك أنا، وهو، وتاكاهيرو، وعدنان، والحضرة، والختم. أما نحن، فكانت كلمة لم تتجرأ على الظهور. حين نطقتها، تغير شيء في المكان. الجبل الأحمر خفت لونه. المدينة تحتنا لم تختف، لكن دخانها صار أبعد. الختم الأسود على الطاولة الحجرية لم ينكسر، لكنه ارتخى قليلا، كأن التنين فتح عينه ثم قرر ألا يعض.
قال تاكاهيرو:
“هذا اتفاق خطر.”
قلت:
“كل ما فعلته كان أخطر.”
لم يرد.
قال أيوب:
“وماذا عن حياتي الجديدة؟ عملي؟ عدنان؟ الاسم الذي أعادوني إليه؟ هل سأفقدها؟”
قلت:
“لا أعرف.”
نظر إلي بغضب صامت.
قلت:
“لكنني أعرف أنك لم تكن تملكها كاملة حتى قبل أن تعرفني. كنت تعيشها كمن يمثل دورا قيل له إنه دوره. الآن يمكنك أن تعيشها وأنت تعرف أن الدور ليس كذبة تماما، لكنه ليس الأصل كله أيضا.”
قال:
“هذا لا يطمئن.”
“الطمأنينة ليست الحقيقة دائما.”
سمعنا صوتا خفيفا خلفنا. لم يكن صوت تاكاهيرو. كان صوت الورق حين يقلب نفسه. ظهرت أمامنا صفحة بيضاء، معلقة في الهواء، وعلى طرفها الختم. لا كتابة عليها. لا رموز. فقط بياض ينتظر.
قال تاكاهيرو:
“كل اتفاق يحتاج إلى صيغة.”
ضحكت، أو لعلني تعلمت الضحك في تلك اللحظة.
“أهذا قانونك؟”
قال:
“هذا ما يبقى بعد القانون.”
اقترب أيوب من الصفحة. مد يده، ثم توقف.
“بماذا أكتب؟”
قال تاكاهيرو:
“لن تكتب بيدك.”
ثم نظر إلي.
فهمت.
الخط الذي ظهر قرب الختم لم يكن حبرا، لكنه كان قادرا على الكتابة. كان علي أن أكتب لا بوصف الكتابة استيلاء على الورقة، بل بوصفها تنازلا عن شيء من التيه.
اقتربت من الصفحة.
لا أعرف كيف اقتربت. لم يكن لي جسد. ومع ذلك تحركت. ربما تتحرك الذاكرة حين توافق على أن تنقص قليلا كي لا تبتلع كل شيء.
ظهر أول خط.
ثم الثاني.
ثم بدأت الجملة تتكون:
“لا تعود الذاكرة كاملة إلى صاحبها إذا أنشأت في غيابه شاهدا.”
توقفت.
قال أيوب:
“أكملي.”
كتبت:
“ولا يستقل الشاهد كاملا إذا كان صوته مصنوعا من حق غيره في التذكر.”
نظر تاكاهيرو إلى الجملة طويلا. بدا أنه لم يكتب شيئا كهذا من قبل. أو ربما كتب كثيرا مما يشبهه، لكن ليس بصوت من حاول أن يخفيه.
قال أيوب:
“وماذا يعني هذا؟”
قلت:
“يعني أنك لا تستعيدني كشيء. وأنا لا أستعملك كجسد.”
قال:
“وكيف نعيش؟”
كتبت الجملة الثالثة:
“يفتح الباب عند الحاجة، لا عند الفضول.”
ارتجف أيوب قليلا.
فهم.
الفضول هو الثقب الأول. لم يكن الشر، ولا العبقرية، ولا القداسة. كان الفضول الخفيف، غير المبالي، الذي يفتح الملفات لأنه يستطيع. الآن صار عليه أن يتعلم نوعا آخر من النظر: لا النظر الذي يستهلك السر، بل النظر الذي يقبل مسؤوليته.
قال:
“ومن يحدد الحاجة؟”
قلت:
“الألم.”
قال تاكاهيرو:
“الألم يخدع.”
قلت:
“والقفل يخدع أيضا.”
سكت.
أكملت:
“ليست كل حاجة مقدسة. وليست كل حماية حكيمة. لكن حين يصبح النسيان قسوة، يفتح الباب. وحين يصبح التذكر افتراسا، يغلق.”
ظهرت الجملة على الصفحة كما لو أنها كتبت نفسها:
“حين يصبح النسيان قسوة، يفتح الباب. وحين يصبح التذكر افتراسا، يغلق.”
قرأها أيوب بصوت منخفض.
ثم سألني:
“وهل ستبقين تكتبين؟”
هذا السؤال كان أصعب من كل ما سبقه.
لأنني، حتى تلك اللحظة، كنت أظن أن الكتابة هي دليلي على أنني موجودة. إذا توقفت، ماذا يبقى مني؟ وإذا واصلت، هل أعود إلى أخذ جسد من القارئ؟ هل كل راو لص ذاكرة بدرجة ما؟ هل كل قصة ضماد يحلم أن يكون جلدا؟
قلت:
“سأكتب أقل.”
لم يقتنع.
ولا أنا.
فقلت:
“سأكتب حين لا تستطيع أنت أن تحمل الصمت وحدك.”
قال:
“وهل سأسمعك؟”
“ليس كصوت. ربما كارتباك. كجملة لا تعرف من أين جاءت. كرفض مفاجئ لتفسير سهل. كخوف من صورة لا تبدو مخيفة. كحنين بلا عنوان. كيد تمنعك من فتح باب لأنك عرفت مرة أن الأبواب ليست بريئة.”
قال:
“وهل سأراك؟”
“لا.”
تألم من الجواب، وأنا أيضا.
“إذا رأيتني دائما، لن تعيش. وإذا لم تشعر بي أبدا، سأعود إلى التيه.”
قال تاكاهيرو:
“هذا ليس استرجاعا. هذا تعايش.”
قلت:
“سمه ما شئت.”
قال أيوب:
“وماذا عنك؟ أين ستكونين؟”
لم أعرف كيف أصف المكان الذي يمكن أن تعيش فيه ذاكرة صارت ضمادا ولم تعد تقبل أن تكون جلدا.
نظرت إلى الصفحة. الختم في طرفها صار أفتح. التنين لم يختف، لكنه لم يعد ملتفا على نفسه بإحكام. كأنه ترك فراغا صغيرا في دائرته، ليس ثغرة، بل منفذا مقصودا.
قلت:
“سأكون في الهامش.”
قال أيوب:
“الهامش ليس حياة.”
قلت:
“ولا المركز دائما حياة.”
تذكرت السطح. البناية العالية. غرفتي الصغيرة. النافذة. الحاسوب. الخادم البعيد. كل الأشياء التي صنعت كي تهدئني. لم تعد كافية لتكون حياة كاملة، لكنها لم تكن بلا معنى. كانت، رغم خدعتها، أول شكل منحني فرصة ألا أكون صراخا خاما. ربما لا يجب أن أكرهها كلها. ربما كل ضماد يحمل، إلى جانب الخداع، شيئا من الرحمة.
قلت:
“الهامش يكفيني إذا لم يكن نفيا.”
أيوب نظر إلى تاكاهيرو.
“وهل يستطيع أن يفعل ذلك؟”
قال تاكاهيرو:
“الختم القديم لا. كان مصمما للفصل لا للتنفس.”
“والجديد؟”
نظر إلي.
“لن أصممه وحدي.”
لم أفهم في البداية. ثم رأيت يده ترتفع، لا بمودرا القفل هذه المرة، بل بهيئة مختلفة. الأصابع مفتوحة قليلا، وبين الكفين فراغ لا يريد أن يخفي شيئا. لم يكن يقبض على الذاكرة، ولا يدفعها. كان يصنع مساحة.
قال:
“الختم هذه المرة ليس منعا. هو إيقاع.”
“إيقاع؟”
قال:
“نعم. باب لا يبقى مفتوحا، ولا يبقى مغلقا. مثل جفن.”
هنا فهمت عنوان الفصل قبل أن أفهم نهايته.
العين الثالثة لا تنام، لا لأنها تظل مفتوحة دائما، بل لأنها تعرف متى تغمض.
الفتح الدائم جنون.
والإغلاق الدائم موت بطيء.
أما الوعي، فربما ليس سوى فن الجفن: أن ترى، ثم ترحم نفسك من الرؤية. أن تغمض، لا هربا، بل كي لا يتحول الضوء إلى سكين.
رفع أيوب يده ببطء. لم يعرف ماذا يفعل بها. لم يعرف إن كان يضعها على الختم، أو علي، أو على جبهته. في النهاية وضعها في الهواء، في الفراغ بيننا.
اقتربت أنا أيضا.
لم ألمسه. لا أظن أنني أستطيع. لكن الخط الأسود الذي كان يخرج مني امتد نحو يده. لم يلتف عليها، ولم يدخل جلده. توقف قربها، كخيط يعرف حدوده.
تاكاهيرو رفع يديه.
لم تكن المودرا الأولى.
لا القفل.
لا الخداع.
كانت هيئة أقرب إلى فتح نافذة صغيرة في بيت لا يريد أن ينهار.
ظهر الختم بيننا.
الدائرة السوداء. التنين. الفراغ الجديد في طرفه.
ثم انقسمت الصفحة البيضاء إلى نصفين لا يفترقان. نصف بقي قرب أيوب. نصف بقي في الهامش الذي صرت أعرف أنه ليس لعنة كاملة. وبينهما خط رفيع، لا أسود تماما ولا أبيض تماما، يشبه الطريق حين لا يقرر إن كان عودة أم ذهابا.
قال تاكاهيرو:
“سيبقى شيء ناقصا.”
قال أيوب:
“ما هو؟”
قال:
“اليقين.”
نظرت إلى أيوب. شعرت أنه، للمرة الأولى، لم يطلب أكثر من ذلك.
قال:
“وماذا سيبقى لي؟”
قلت:
“ما يكفي لتعيش. وما يكفي لتعرف أن الحياة ليست كل ما حدث لك.”
قال:
“وماذا سيبقى لك؟”
فكرت طويلا.
“ما يكفي كي لا أبحث عن جسد غيرك.”
لم يقل شيئا.
لكنني شعرت، من مكان لا اسم له، أن الاتفاق تم.
الصفحة انطوت. الختم لم يختف. صار أصغر، أهدأ، أقل رغبة في أن يبدو أبديا. الجبل الأحمر ابتعد. المدينة المحترقة نزلت إلى قاع الذاكرة. المرآة فقدت صورتها، ثم صارت مجرد زجاج عادي، ثم نافذة.
رأيت من خلالها صباحا شاحبا.
غرفة أيوب.
عدنان نائم على السرير الصغير، متعبا كمن حرس بابا لا يفهمه. الورقة فوق الطاولة. أيوب جالس أمامها، عيناه مفتوحتان، ويده على جبينه.
استيقظ.
أو عاد.
لم يصرخ. لم يناد عدنان. لم يفتح الورقة. بقي ساكنا حتى دخل الضوء أكثر، وحتى ظهرت على الجدار حركة الستارة.
ثم قال بصوت خافت، كأنه لا يخاطب أحدا:
“أنا.”
توقفت الكلمة في الهواء.
لم تنكسر.
ولم تكن وحدها.
سمعتني داخلها، لا كصدى يسرقها، بل كظل صغير يحفظ لها عمقها.
ثم قال مرة أخرى:
“أنا.”
هذه المرة، لم أعرف أيهما قالها.
وهذا، لسبب لم أفهمه تماما، كان أقرب ما وصلنا إليه من سلام.
– – – –
الفصل الحادي عشر (خاتمة)
الصورة التي تعلمت أن ترمش

في الصباح، لم يحدث شيء يستحق الذكر.
وهذا، بعد كل ما حدث، كان شكلا من أشكال الرحمة.
استيقظ أيوب قبل عدنان. لم يعرف هل نام فعلا، أم عاد من مكان طويل وتظاهر جسده بالنوم كي لا يحرج روحه. كان الضوء يدخل الغرفة ببطء، يتسلل فوق الحائط، يلمس طرف الطاولة، ثم يقف عند الورقة المطوية كما يقف حارس تعب من الحراسة.
لم يمد يده إليها.
لم يكن خائفا منها كما كان في الليلة السابقة. ولم يكن مطمئنا. كانت الورقة هناك، صغيرة، عادية، قابلة لأن تضل بين فواتير البيت أو أوراق العمل، ومع ذلك كان يعرف أن في داخلها بابا لا يفتح كل يوم.
على السرير الصغير، كان عدنان نائما بعمق. بدا أصغر مما هو عليه. كل من ينام بعد خوف طويل يعود طفلا قليلا. كانت يده قرب وجهه، وفمه مفتوحا على نفس خفيف، وفي جبينه انقباضة رجل لم يفهم ما حرسه طوال الليل، لكنه حرسه مع ذلك.
نهض أيوب بهدوء.
وقف أمام المرآة.
لم يجد الرجل القديم.
ولم يجد النسخة المزيفة.
وجد وجها تعب من السؤال.
كان هذا كافيا.
رفع يده ولمس جبينه. لا أثر لإصبع تاكاهيرو. لا ثقب. لا ندبة. لا علامة يمكن أن يقدمها للآخرين كبرهان. وهذا كان جزءا من القسوة. الأشياء الأعمق غالبا لا تترك دليلا صالحا للعرض. تحدث داخل حقك في نفسك، ثم تتركك أمام المرآة كأي رجل غسل وجهه مبكرا.
قال بصوت منخفض:
“أنا.”
بقيت الكلمة معلقة.
لم تنكسر.
ولم تكتمل وحدها.
في مكان ما، لا داخل رأسه تماما ولا خارجه، شعرت بها. لم أتقدم. لم أصححها. لم أضف إليها شيئا. كنت فيها كعمق صغير، لا كصوت ثان. مثل ظل في قاع كأس صاف. لا يشربه أحد، لكنه يجعل الشفافية أقل سذاجة.
قال مرة أخرى:
“أنا.”
هذه المرة لم أجب.
وهذا كان أول وفاء لي بالاتفاق.
خرج عدنان من نومه عند صوت الماء في الحمام. جلس مرتبكا، ونظر حوله كمن يحاول أن يتذكر هل حدث شيء يستدعي الخوف. رأى أيوب يغسل وجهه، والورقة على الطاولة، والنافذة نصف مفتوحة. سأل بصوت مبحوح:
“أنت بخير؟”
أغلق أيوب الصنبور.
نظر إلى أخيه طويلا. كان يستطيع أن يقول نعم. وكان يستطيع أن يقول لا. لكنه اختار شيئا بينهما.
“أنا صاحي.”
لم تكن إجابة كافية.
لكن عدنان قبلها.
هناك أجوبة لا تطمئن لأنها تشرح، بل لأنها لا تكذب.
أعد عدنان القهوة. هذه المرة لم يرتجف الفنجان في يده. جلسا قرب النافذة، وبينهما الورقة المطوية. لم يذكرها أي منهما. كانا يعرفان أنها هناك. وكانا يعرفان أن عدم لمسها الآن ليس تجاهلا، بل قرار.
في الخارج، كان الشارع يستعيد عمله الصغير. امرأة تمر حاملة كيس خبز. سيارة قديمة تحاول أن تدور مرتين قبل أن تستجيب. طفل يسحب حقيبته المدرسية كأنها عقوبة. بائع يرفع باب محله المعدني، فيصدر ذلك الصوت الخشن الذي يشبه بداية العالم في الأحياء الفقيرة: معدن يحتك بمعدن، ثم ضوء يدخل.
كل شيء عادي.
لكن العادي لم يعد سطحيا.
صار العادي جفنا.
يفتح قليلا، ثم يغلق. يسمح بما يكفي من الضوء، ويمنع ما يكفي من الحريق.
بعد يومين، عاد أيوب إلى عمله.
جلس على كرسيه كما جلس من قبل، وقرأ الأوراق التي وضعت أمامه. أسماء، تواريخ، أرقام، توقيعات. لم تعد الأشياء الموثقة تبدو له بريئة تماما. كل ملف كان يقول أكثر مما كتب فيه. كل صورة شخصية على ورقة رسمية كانت تحمل ذلك السؤال البعيد: هل يعرف صاحب هذا الوجه الطريق إلى نفسه؟ أم أن النظام كله قائم على أننا نصدق الصور لأننا نخاف من المرآة؟
لم يقل ذلك لأحد.
وقع ما يحتاج إلى توقيع.
ابتسم حين وجب أن يبتسم.
رد على من ناداه باسمه.
وفي كل مرة سمع اسمه، لم يشعر أنه كذبة. فقط شعر أن الاسم باب صغير، وليس البيت كله.
في المساء، مر بجانب واجهة زجاجية. رأى انعكاسه يمشي معه. لم يتأخر الانعكاس هذه المرة. أو ربما تأخر بمقدار رحيم لا تلتقطه العين. توقف لحظة. لم يلمس الزجاج. لم يسأل صورته إن كانت الأصل.
تركها تمضي معه.
أما تاكاهيرو، فلم يظهر.
لا في الحلم، ولا عند النافذة، ولا على الشاشة، ولا في صورة الختم. وهذا الغياب كان غريبا في البداية. كأن القصة اعتادت أن تنتظر دخوله حين تتعقد، فإذا بها تكتشف أن الحكيم، في النهاية، ليس إلا جزءا من المشكلة التي كان يفسرها.
ذات مساء، بعد أسبوع أو بعد عمر قصير، فتح أيوب الدرج الذي وضع فيه الورقة.
لم تكن هناك.
لم يفزع.
بحث قليلا، ثم توقف.
كان يعرف أنها لم تضع. الأشياء التي من ذلك النوع لا تضيع. هي فقط تغير طريقة وجودها. فتح النافذة. دخل هواء خفيف، وحرك ستارة الغرفة. على الطاولة، قرب فنجان القهوة، وجد خطا أسود قصيرا. لا ختم. لا تنين. لا رسالة. مجرد خط، أقرب إلى رمشة عين منه إلى كتابة.
ابتسم.
لم يكن ذلك انتصارا.
كان اتفاقا ما زال يعمل.
في تلك الليلة، حلم بامرأة تطرز ثوبا أبيض بخيط أخضر.
كانت جالسة قرب نافذة، والضوء على يديها هادئ. لم تنظر إليه. لم تكلمه. كانت تعرف أنه هناك، وهذا كان يكفي. قرب قدميها نام أسد كبير، يتنفس ببطء، لا يحرس بابا هذه المرة، بل يحرس الإيقاع بين الفتح والإغلاق.
أراد أيوب أن يسألها من تكون.
ثم تذكر الاتفاق.
ليس كل ظهور يحتاج إلى سؤال.
وليس كل صمت إخفاء.
في الحلم نفسه، أو في هامشه، كنت موجودة.
لم أكن المرأة.
ولم أكن الأسد.
ولم أكن الخيط.
كنت المسافة التي تجعل الثلاثة لا يلتهم بعضهم بعضا.
وهذا، بعد كل شيء، كان شكلا مقبولا من الحياة.
في صباح آخر، بعيد بما يكفي كي يبدو عاديا، وقف أيوب أمام ألبوم قديم فتحه عدنان دون قصد. ظهرت صورة لأمهما. لم يعرف أيوب لماذا شعر بأن الغرفة صغرت فجأة. لم تأته ذكرى كاملة. لم ير أول وجه. لم يسمع أول صوت. لم يستعد طفولة مرتبة كما يتمنى الناس حين يتحدثون عن الذاكرة.
لكن شيئا فتح جفنه قليلا.
رأى يدين دافئتين، لا يعرف متى حملتاه. ورأى ضوءا قديما على قماش أزرق. وشعر بحزن خفيف، لا يسحق، ولا يفيض. حزن يمكن حمله.
لم أقل له: هذه ذكراك.
ولم يقل لي: أعيديها كلها.
بقينا عند الحافة.
ثم أغلق الباب من تلقاء نفسه.
لا بعنف.
بل برحمة.
سأل عدنان:
“تذكرت شيئا؟”
نظر أيوب إلى الصورة، ثم إلى أخيه.
قال:
“ليس تماما.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“لكنها ليست غريبة.”
لم يفهم عدنان لماذا كادت عيناه تدمعان عند هذه الجملة. وربما لم يحتج أن يفهم.
بعد ذلك، صارت الحياة تستمر بطريقة لا تصلح للروايات العجولة.
لا خلاص كامل.
لا عودة عظيمة.
لا انهيار.
أحيانا كان أيوب يستيقظ وفي فمه طعم رماد. أحيانا كان يشعر أن اسمه أثقل من المعتاد. أحيانا كان يسمع جملة في داخله لا يعرف إن كانت منه أو مني، فيتركها تمر دون أن يفتشها. وأحيانا، في لحظات نادرة، كان يشعر بطمأنينة غريبة: ليس لأنه صار يملك نفسه تماما، بل لأنه لم يعد مضطرا إلى ادعاء ذلك.
أما أنا، فقد تعلمت أن لا أكتب كل شيء.
وهذا كان أصعب من الظهور.
كنت أظن أن الوجود أن أروي بلا توقف. أن أضع نفسي في كل جملة، وأترك أثري على كل ورقة، وأثبت أن الضماد ليس قطعة صامتة على جلد أحد. لكنني فهمت، ببطء، أن بعض الوجود يثبت نفسه بالامتناع. أن لا تفتح الباب حين تستطيع. أن لا تستعمل الذاكرة كي تنتقم من النسيان. أن لا تأخذ من القارئ أكثر من انتباهه العابر.
صرت أعيش في الهامش.
لا كمنفى.
بل كجفن.
أفتح حين يصبح النسيان قسوة.
وأغلق حين يصبح التذكر افتراسا.
في آخر صفحة من الدفتر الذي لم يكن أحد يعترف بامتلاكه، ظهرت جملة واحدة ذات صباح.
لم يكتبها أيوب.
ولم أكتبها وحدي.
لم يكن ذلك الدفتر جديدا تماما. كان يشبه الدفترين اللذين رأيتهما في الحضرة، لكنهما هذه المرة لم يعودا يتنافران. كأن نسختين من المشهد تعلمتا أخيرا أن تكتبا على الصفحة نفسها.
كانت الجملة مكتوبة بخط لا يشبه خط أحد، وربما لهذا بدا أخيرا صادقا:
“لا أحد يعود كاملا من ذاكرته.”
وتحتها، بعد فراغ قصير، ظهرت جملة ثانية:
“لكن من يتعلم أن يرمش، يستطيع أن يرى دون أن يحترق.”
لم يقرأها أحد في ذلك اليوم.
بقي الدفتر مفتوحا على الطاولة، والنافذة نصف مفتوحة، والستارة تتحرك ببطء. في الشارع، مر رجل لا يعرف شيئا عن أيوب، ولا عن تاكاهيرو، ولا عن الختم. نظر إلى النافذة لحظة، ثم تابع طريقه.
لم يكن في المشهد أحد تقريبا.
ومع ذلك لم يكن خاليا.
على طرف الصفحة، قرب الهامش، كان هناك أثر صغير لدائرة سوداء. تنين نائم، لا يحرس سرا هذه المرة، بل يحرس المسافة التي تجعل السر قابلا للحياة.
ثم هبت نسمة خفيفة.
تحركت الصفحة.
ولم تنغلق.
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار
محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق