رسالة من تحت الماء؟
الفاني يظن أنه يرسل نداءه من تحت الماء، لكن ثمة صوتا أقدم يختبئ داخل النداء، لعله صوت الخالد وقد ضاق بخلوده، فاخترع الغريق كي يسمع نفسه وهو يختنق. الغريق هنا ليس ضحية فقط. هو فم مؤقت للكائن الذي لا فم له.

الخالد لا يستطيع أن يقول: أنا متعب من الأبد. لذلك يجعل الفاني يقول: أنا أغرق. الأبد لا يملك رئة كي يختبر ضيق النفس، فيستعير رئة الإنسان. هذه هي الفضيحة الباطنية في الأغنية: أن الشكوى الصاعدة من العمق قد تكون، في طبقة خفية، شكوى العلو من علوه.
إن كنت حبيبي ساعدني كي أرحل عنك
أو كنت طبيبي ساعدني كي أشفى منك
في هاتين الجملتين لا يبدأ العاشق من الحب، بل من عجز الحب عن أن يبقى حبا حين يتحول إلى عنصر خانق. “إن كنت حبيبي” ليست نداء ثقة، بل اختبارا لاهوتيا مقنعا: إن كنت فعلا جهة الرحمة، فأثبت ذلك لا بأن تبقى، بل بأن تساعدني على الرحيل عنك. وهنا تنقلب وظيفة المحبوب من موضوع رغبة إلى قوة تحرير، من وثن إلى جراح، من بحر إلى يد تسحب. لكن الجملة الثانية أشد خطرا: “أو كنت طبيبي” تجعل المرض والطبيب في الجسد نفسه، وهذا هو قلب فكرة الفارماكون pharmakon عند أفلاطون كما قرأها دريدا: الشيء الواحد سما ودواء، كتابة وجرحا، حفظا وفقدانا. الحبيب هنا ليس منقذا بريئا، لأنه هو العدوى نفسها، ولا قاتلا كاملا، لأنه وحده يعرف تركيب السم في الدم. كأن الفاني يخاطب الخالد من داخل التجربة التي صنعها الخالد فيه: أنت الذي جعلتني قابلا لهذا التعلق، فكن الآن مسؤولا عن فك العقدة التي مررت خيطها من صدري. لا أطلب مكافأة، ولا وصالا، ولا حتى عدلا؛ أطلب تقنية خروج، فنا سريا للانفصال، طقسا طبيا ضد قداسة المرض.

لو أني أعرف أن الحب خطير جدا ما أحببت
لو أني أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت
لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت
هنا لا يندم الفاني على فعل الحب فقط، بل على لحظة الجهل الأولى، على تلك البراءة التي دخل بها إلى البحر وهي تظن الزرقة سطحا لا عمقا. “لو أني أعرف” ليست حسرة عاطفية، بل اعتراض متأخر على بنية المعرفة نفسها: لماذا لا يعرف الإنسان الخاتمة إلا بعد أن يصبح جزءا منها؟ كأن الخالد لا يسمح للفاني برؤية الخريطة قبل الدخول، لأن التجربة لو عرفت نفسها مسبقا لما حدثت، ولو رأى الإنسان عمقه القادم لبقي على الشاطئ إلى الأبد. هنا يلمع ظل كاساندرا بطريقة معكوسة: ليست اللعنة أن تعرف ولا يصدقك أحد، بل أن لا تعرف إلا حين يصبح التصديق بلا فائدة.

البحر في الجملة ليس استعارة كبيرة فقط، بل محكمة بلا قاض، لا تمنحك قانونها إلا بعد الغرق. “ما كنت بدأت” هي صرخة الكائن الذي اكتشف أن البداية لم تكن بداية، بل توقيعا غير واع على النهاية. كأن الحب لا يخدعنا بالكذب، بل يحجب عنا مقدار الحقيقة اللازم كي نقبل الدخول.
إشتقت إليك فعلمني أن لا أشتاق
علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق
علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق
علمني كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق
هذه ليست رغبة في النسيان، بل رغبة في تعلم استحالة النسيان من المصدر الذي صنعها. “علمني أن لا أشتاق” فيها تلميذ واقف أمام جلاده ومعلمه في آن واحد، كأن الفاني يعترف أن الخالد وحده يعرف هندسة التعلق لأنه هو الذي حفرها في المادة الأولى للقلب. أما “جذور هواك” فهي أخطر من الذكرى؛ الذكرى على السطح، لكن الجذر يعمل في العتمة، يشرب من ماء لا يراه صاحبه. هنا يقترب نزار، من غير أن يقصد، من لغة مارغريت بوريت حين تريد النفس أن تفنى عن إرادتها الخاصة.

وكذلك من سيمون فايل حين يصبح الانتباه إلى الألم أشبه بحديقة قاسية يجب ألا نزينها بالكذب. ليس المطلوب أن تُمسح الصورة، بل أن يُقتلع نظام التغذية السري الذي يجعل الصورة تعود. والدمعة التي “تموت في الأحداق” ليست دمعة توقفت، بل شاهد منع من أداء شهادته. أما الأشواق، حين تطلب موتها، فهي لا تكره الحبيب؛ هي فقط تعبت من كونها رسلا لا تصل، حمائم مائية تطير داخل بحر مغلق.

يا من صورت ليّ الدنيا كقصيدة شعر
وزرعت جراحك في صدري
وأخذت الصبر
إن كنت أعز عليك فخذ بيدي
فأنا مفتون من رأسي حتى قدمي
هنا تبلغ القصيدة أخطر نقطة: الفاني لا يتهم الخالد بأنه قبيح، بل بأنه جعل العالم جميلا أكثر مما يحتمل القلب. “صورت لي الدنيا كقصيدة شعر” ليست مديحا، بل لائحة اتهام باطنية ضد الجمال نفسه. كأن الحبيب لم يعطه حبا فقط، بل أعاد مونتاج الوجود كله: الشارع صار وزنا، الضوء صار قافية، الأشياء فقدت حيادها، والعالم الذي كان قابلا للعبور صار نصا مشحونا بالإشارة. هذا قريب من ريلكه حين يتحول الجمال إلى بداية رعب، لا لأنه شرير، بل لأنه يكشف أن الروح أرق من العالم الذي فُتح أمامها.

ثم تأتي الجملة الأشد قسوة: “زرعت جراحك في صدري وأخذت الصبر”. الجرح هنا ليس حادثا، بل زراعة. فعل مقصود، عضوي، له جذور، كأن الخالد لم يجرح الفاني من الخارج، بل أنبت داخله عضوا جديدا اسمه الألم، ثم سحب منه القدرة على احتماله. لذلك لا يقول: أنصفني. يقول: “خذ بيدي”. هذه ليست مطالبة بعدالة، بل طلب نعمة. يد فقط. تماس صغير بين العالي والغريق. أما “مفتون من رأسي حتى قدمي” فهي اعتراف بأن الفتنة لم تعد فكرة في القلب، بل احتلال كامل للجسد، من مركز التفكير إلى آخر نقطة تمس الأرض. الفاني كله صار منطقة نفوذ، لا يملك منها زاوية يخبئ فيها نفسه.
الموج الأزرق في عينيك
يناديني نحو الأعمق
وأنا ما عندي تجربة
في الحب ولا عندي زورق
هنا يتحول الأزرق من لون إلى جهاز استدعاء. العين لا تنظر، بل تنادي. وهذه أعمق من الجمال العادي، لأن الجمال حين يبقى على السطح يثير الإعجاب، أما حين يصير موجا فهو لا يطلب أن تراه، بل أن تتبعه إلى ما لا تعرفه. “الأعمق” ليست جهة مكانية فقط، بل طبقة وجودية لا يعود فيها الفاني مالكا لوعيه القديم. كأن عيني الحبيب تعملان مثل أزرق إيف كلاين: فراغ مصقول، بلا حافة، يبتلع النظر وهو يوهمه بالصفاء.

ووراء ذلك يشتغل ماء باشلار، الماء بوصفه خيالا للموت والولادة معا، لا كعنصر طبيعي بل كذاكرة بدائية للذوبان.

المفجع أن الفاني يعترف بعد فوات الأوان: لا تجربة، لا زورق. أي لا معرفة ولا وسيلة. دخل إلى النداء عاريا من التقنية، بلا فن ملاحة، بلا صاري أوليسي، بلا خيط أريادني، بلا حيلة ضد النداء. والخالد هنا يبدو كما لو أنه يستدرج لا بالقوة، بل بالزرقة. لا يدفع الفاني إلى العمق، يكفي أن يجعل العمق جميلا.

إني أتنفس تحت الماء
إني أغرق، أغرق، أغرق، أغرق، أغرق
هذه من أخطر الجمل في الأغنية كلها، لأنها لا تصف الغرق كما نعرفه، بل حالة مستحيلة: “أتنفس تحت الماء”. كأن الفاني دخل طورا لم يعد فيه حيا بالمعنى القديم، ولا ميتا بالمعنى الحاسم. وهذه بينية مرعبة، قريبة من أجساد بيل فيولا المعلقة بين العالمين

أو من ذلك البرزخ الذي لا يملك اسما دقيقا إلا حين يصبح الجسد نفسه حدوده. التنفس هنا ليس نجاة، بل إطالة للغرق. معجزة قاسية تسمح له بأن يستمر في الاختناق بدل أن ينتهي. ثم يأتي تكرار “أغرق” لا كإبلاغ، بل كحدث صوتي، كأن الكلمة نفسها تغرق وهي تتكرر، تنزل درجة بعد درجة، مثل نغمة عند جاشينتو شيلسي تُعاد حتى تتعرى من معناها وتبقى كتلة ذعر خالص. لم يعد المتكلم يشرح حاله؛ صار يوقّعها على الهواء. والخالد، في القراءة الباطنية، لا يسمع هنا شكوى بشرية فقط، بل يختبر للمرة الوحيدة ما لا يختبره: ضيق الامتلاء داخل عنصر لا نهاية له.

يا كل الحاضر والماضي
يا عمر العمر
هل تسمع صوتي القادم،
القادم من أعماق البحر
هنا يتسع المخاطب فجأة حتى يكاد يخرج من هيئة الحبيب. “يا كل الحاضر والماضي” ليست جملة غزل، بل نداء إلى كائن ابتلع الزمنين معا، كأن الحبيب صار أرشيف الوجود كله: ما حدث، وما يحدث، وما لا يزال يضغط من خلف الحجاب. و”يا عمر العمر” ليست مبالغة عاطفية، بل تسمية باطنية للمركز الذي يمنح الزمن نفسه عمره.
كأن الفاني لا يخاطب شخصا، بل المصدر الذي جعل الأيام قابلة لأن تُعاش وأن تُفقد. ثم تأتي الجملة الأعجب: “هل تسمع صوتي القادم من أعماق البحر؟” الصوت هنا مستحيل تقريبا، لأنه لا يصعد من حنجرة بل من طبقة مدفونة تحت العنصر. يشبه رسالة بلا ورق، بثا من قاع لا أبراج فيه، صرخة عند بول سيلان وقد صارت حجرا مبللا في الفم. السؤال ليس: هل تحبني؟ بل: هل يصل إليك الأثر؟ هل في علوك نافذة تسمع ما يحدث في العمق الذي صنعته؟

إن كنت قويا أخرجني من هذا اليم
فأنا لا أعرف فن العوم
هنا لا يطلب الفاني حنانا، بل يختبر معنى القوة نفسها. “إن كنت قويا” ليست مديحا للحبيب، بل محاكمة خفية: القوة التي تخلق البحر ولا تخرج الغريق منه ليست قوة مكتملة، بل جبروت ناقص الرحمة. كأن الفاني يقول للخالد: لا تثبت عظمتك بأن تبقيني في العمق، بل بأن تمنحني يابسة صغيرة. هذا قريب من سؤال أيوب، لا كاحتجاج فقهي، بل كارتجاف كائن يسأل لماذا تحتاج القدرة إلى كل هذا الصمت.

أما “لا أعرف فن العوم” فهي من أصدق اعترافات الأغنية، لأنها تنزع عن الإنسان وهم البطولة. الفاني ليس بحارا ميتافيزيقيا، ولا ناسكا ماهرا في عبور البلاء، ولا أوديسيوس يفاوض الأمواج بالحيلة. هو جسد ألقي في عنصر أكبر من خبرته. ولذلك تبدو النجاة هنا فنا غامضا، تقنية لا تولد مع الإنسان. بعض الناس يتعلمون الحب كسباحة، وبعضهم يدخلونه كمن يدخل الماء بثياب ثقيلة وذاكرة مشدودة إلى القاع.

وعبد الحليم نفسه هنا ليس مطربا يقف خارج النص. جسده نفسه يدخل في معنى النص. صوته في هذه المرحلة يحمل ذاكرة المرض، لا كخبر بيوغرافي فقط، بل كطبقة سمعية. هناك شيء هش في الحنجرة، شيء يعرف محدودية الجسد وهو يغني عن شخص لا يعرف العوم. لهذا تصبح الاستعارة البحرية أكثر رعبا حين يلمسها حليم. ليست مجرد صورة شاعرية. إنه صوت جسد يعرف معنى الضعف، ويغني الضعف من غير أن يجعله مسكينا. حليم لا يتوسل مثل شخص صغير. يتوسل مثل كائن يعرف أن كبرياءه لم يعد ينفع أمام العنصر الذي ابتلعه.

عند ديونيسيوس الأريوباغي، الطريق إلى المطلق يمر عبر النفي: لا هذا، لا ذاك، لا صورة، لا اسم، حتى تنسحب اللغة كلها إلى عتمة الصمت. لكن حليم، في هذه الأغنية، يقلب الحركة بطريقة مرعبة: لا يصعد من الصورة إلى نفيها، بل يجعل المطلق يهبط إلى صورة محبوبة، إلى عين زرقاء، بحر، صوت، ونداء. كأن اللاهوت السلبي سقط فجأة في أغنية طويلة، فصار النفي نفسه يغني.

نيقولا الكوزاني كان يتكلم عن التقاء الأضداد عند عتبة لا يحتملها العقل المحدود: حيث يفشل المنطق في فصل ما يجتمع داخل المطلق. هنا، تلك العتبة ليست فكرة، بل حبيب. الحبيب هو المرض والطبيب، البحر واليد، الجرح والصبر، الخطر والنداء. العقل لا يفهم هذا التناقض، لكنه حين يحب، يسكنه. وهذا أعمق من الفهم: أن يصير الجسد نفسه هو البرهان.

كأن الخالد وضع في الإنسان بذرة اشتياق ثم جلس يراقب الشجرة وهي تكسر صدر صاحبها. لكن الشجرة لا تخص الإنسان وحده. هي تجربة الخالد لنفسه داخل زمن ضيق. الإنسان لا يحب نيابة عن نفسه فقط. أحيانا يحب نيابة عن قوة لا تعرف كيف تنقص إلا عبره.
الخالد لا يحتاج إلى الحب، وهذه هي مأساته. لذلك يخلق كائنا يحتاج. الاحتياج هو اختراع الفاني، أو ربما هدية الخالد لنفسه عبر الفاني. نحن لسنا فقط من نطلب الخلاص. نحن الطريقة التي يتعلم بها الخالد معنى أن يكون الخلاص مطلوبا.
والخالد ربما لا يجيب مهما كان الالحاح عذبا، ذلك أن جوابه، أيا كان، سيفسد التجربة. لو مد يده مبكرا، لما عرف الفاني عمقه. ولو تركه تماما، لصار العالم قسوة صافية. لذلك يبقى في منطقة لا تحتمل: قريب بما يكفي لكي يسمع، بعيد بما يكفي لكي لا ينقذ. وهذه أقسى هندسة للرجاء.

محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق