
في كل ملحمة عظيمة، هناك لحظة لا تُحتمل: تنكسر الشخصيات، ويتصدع المعنى، ويبدأ الانهيار. في “الإلياذة”، يبكي أخيل أخيرًا، لا لأنه بطل، بل لأنه اكتشف، متأخرًا، أن البطولة لا تعفي صاحبها من الهشاشة. وفي الملاحم النوردية، تمضي الآلهة نحو راجناروك وهي تعلم أنها لن تنتصر، لكنها تذهب لأنها لا تعرف كيف تتراجع عن قدرٍ صار أكبر منها. وفي المسرح الإغريقي، يصعد البطل التراجيدي إلى المنصة وهو يدرك أن النص قد كُتب قبله، وأن ما يسميه اختيارًا ليس أحيانًا سوى طريقة مهذبة للسير نحو الهاوية.
لكن غزة ليست ملحمة، أو ينبغي ألا نطمئن كثيرًا إلى هذا الوصف. فالملحمة تمنح الخراب شكلًا، وتمنح الألم إيقاعًا، وتمنح القارئ مسافة جمالية آمنة من الدم. وهذا، بحد ذاته، فخ صغير. لأن ما حدث ويحدث هناك لا يحتاج إلى زخرفة أسطورية كي يصير فاجعًا، ولا إلى أخيل جديد كي يثبت أن الإنسان قابل للكسر. يكفي أن نتخيل، بقدر ما يسمح لنا الجبن الإنساني، أمًا تحاول أن توقف نزف قدم طفلها المبتورة بربطها بكيس بلاستيكي. لا أحد يعلم يقينًا ما كانت تفكر فيه في تلك اللحظة. ربما لم تكن تفكر بشيء كبير أصلًا. لا وطن، لا تاريخ، لا استعارة. فقط أن يتوقف الدم. أن يتأخر الفقد دقيقة أخرى. وربما لا يريد أحد أن يعرف ذلك يقينًا، لأن المعرفة هنا ليست نورًا، بل عبء لا يُحتمل.
هذه المذبحة ليست بالضرورة الأكثر وحشية في القرن الجديد، فالقرن نفسه لم يكن بخيلًا في براعته على إنتاج الجحيم، لكنها بلا شك من أكثر مذابحه توثيقًا، والأشد حضورًا في الزمن المباشر. كل غبار ركام، كل صرخة داخل خيمة، كل وجه يخرج من العتمة ثم يعود إليها، صار جزءًا من أرشيف كوني مفتوح: هواتف، كاميرات صحفيين، طائرات مسيّرة، أقمار تجسس، وملايين العيون الرقمية التي شاهدت، أعادت المشاهدة، ثم واصلت يومها كأن شيئًا لم يحدث. العالم لم يعد يستطيع الادعاء أنه لم يعرف. وهذه ربما هي الفضيحة الجديدة: أنه عرف، ومع ذلك ظل قادرًا على ترتيب مواعيده، وتحديث تطبيقاته، وتناول قهوته في موعدها.

لكن التوثيق هنا ليس وسيلة إدانة فقط، ولا أرشيفًا ينتظر محكمةً قد تأتي أو لا تأتي. إنه مادة خام لذاكرة جمعية لا تنام، أو لا تنام بالطريقة التي نريدها لها. فالصور، حتى حين تُطوى في مجلدات الأرشيف الإلكتروني، لا تختفي حقًا. تبقى في أعصاب الذين رأوها أول مرة، في ارتباك نظراتهم، في ذلك الجزء الصغير من الوعي الذي يواصل المشاهدة بعد أن تُغلق الشاشة.
من هذه الذاكرة المتخمة بالفقد والحريق والجوع، سيتكوّن جيل في غزة لا يجوز لنا أن نختزله في نبوءة مريحة. لن يكون بالضرورة جيل انتقام، ولا جيل خلاص، ولا جيل حكمة مكتملة. سيكون، قبل كل شيء، جيلًا جرى تعليمه بقسوة لا تليق بالأطفال: لم يقرأ الحكاية من بعيد، بل وجد نفسه داخلها؛ لم يسمع فقط عن دير ياسين كذكرى عائلية بعيدة، بل رأى الجوار يتحول إلى أثر، والبيت إلى خبر، والطفولة إلى مادة في نشرات العالم.
ولهذا، حين يكبر هؤلاء، لن يكون من السهل مطالبتهم بلغة مهذبة عن العدالة، ولا ببراءة سياسية لم يمنحهم العالم شروطها. لكن ليس من حق أحد أيضًا أن يحوّلهم منذ الآن إلى ذخيرة رمزية لمعركة قادمة، أو أن يكتب مصائرهم بالنيابة عنهم كما فعلت الأيديولوجيات القديمة. ما نعرفه فقط أن العالم كان حاضرًا هذه المرة. شاهدًا لا يستطيع الادعاء أنه لم يرَ، ولا أنه لم يفهم. كل شيء كُتب بالصوت والصورة والارتجاف. الكاميرا لم تكن شاهدًا محايدًا، بل مرآة فاضحة: لم تُدِن وحدها، لكنها كشفت مقدار ما يستطيع البشر احتماله من صور الآخرين وهم يُسحقون، ثم مواصلة الحياة كما لو أن المشاهدة نفسها كانت كافية.

هذا الجيل، إن بقي في داخله ما يكفي من اللغة بعد كل هذا الركام، فلن يبحث عن شرعية. الشرعية ترفٌ لمن ما زال يؤمن بمحكمة العالم. ما سيبحث عنه، على الأرجح، هو التوازن: أن لا يبقى الدم بلا أثر، ولا الصمت بلا ثمن.
لكن دعونا نبتعد قليلًا عن صورة النزيف، لا كي ننجو من ثقلها، بل كي لا نتركها وحدها تقود التفكير.
أسئلة اللحظة كثيرة: ما مصير غزة؟ ما مصير جماعة حماس؟ من سيحكم؟ هل سيكون هناك تهجير جماعي؟ وإلى أين؟ هذه كلها أسئلة تتردد في غرف الأخبار، حيث تتقافز التحليلات ككرات تنس على مائدة حرب، بين مقاربات طوباوية وإنسانوية وبراغماتية، وفي معظم حالاتها لا تخلو من سينيكية باردة ترتدي ربطة عنق.
لكن قبل أن نرفع الكاميرا إلى السماء، أو نستدعي التاريخ والقدر والسنن الكبرى، يجدر بنا أن نخفضها قليلًا إلى الأرض. إلى تلك المسافة الصغيرة والمحرجة بين “المقاومة” كفكرة نبيلة، و”العملية” حين تتحول إلى ارتباك أخلاقي مسلح. فليس كل من فتح ثغرة في الجدار صار موسى، وليس كل من باغت عدوًا صار داوود، وليس كل اقتحام خروجًا من العبودية إلى البرّية. أحيانًا يكون ما يُسمّى فتحًا مجرد دخول خاطئ من باب ملطخ، باب لا يكفي أن تضع فوقه آية أو بيانًا عسكريًا كي يصير أقل عتمة.
القضية العادلة لا تمنح أصحابها حصانة جمالية. لا تجعل القبيح جميلًا، ولا تجعل الغدر فطنة، ولا تحوّل المدني الضعيف إلى تفصيل صغير في لوحة كبرى. وهذه ربما أول عتبة يجب أن نقف عندها قبل أي كلام عن السماء: أن نسمي الارتباك الأخلاقي باسمه، لا أن نمنحه موسيقى تصويرية ونطلب من الضحايا اللاحقين أن يتفهموا عبقرية المشهد.
كان في السابع من أكتوبر شيء يتجاوز الحساب العسكري إلى الخلل الأخلاقي. لا لأن الاحتلال صار فجأة ضحية بريئة، ولا لأن تاريخ القهر الطويل يمكن شطبه بلقطة واحدة، بل لأن القضية العادلة تفقد شيئًا من صفائها حين تسمح لنفسها بأن تقتاد الضعفاء إلى قلب المشهد. هناك فرق جوهري بين مواجهة آلة عسكرية استعمارية، وبين أن يتحول الجسد المدني، طفلًا كان أو عجوزًا أو إنسانًا لا يملك من الحرب شيئًا، إلى ورقة في نفق سياسي مظلم.
هذا لا يمنح إسرائيل براءة بأثر رجعي، ولا يحوّل الفلسطيني إلى متهم أبدي عليه أن يثبت إنسانيته كل صباح. لكنه يقول شيئًا أبسط وأقسى: ليست كل ضربة ضد العدو مقاومةً بالمعنى الأخلاقي للكلمة، وليست كل مباغتة فتحًا، وليست كل صورة تصلح لأن تُعلّق على جدار البطولة.
ولذلك، لم يكن أكثر ما أزعجني في ذلك اليوم هو الفعل وحده، بل الطريقة التي استقبل بها كثيرون صورته. تلك الجمالية الخاطفة للهبوط من السماء بطائرات شراعية، المشهد الذي بدا لبعض البعيدين عن غزة كأنه انتقام سينمائي صُمم بعناية، لا بداية كارثة سيدفع ثمنها آخرون. في تلك المسافة الباردة بين الشاشة والمأساة، انتشى كثيرون بصورة الفعل لا بسؤاله الأخلاقي؛ صفقوا للّقطة لأنها تشبه الأكشن، ونسوا أن غزة ليست صالة عرض، وأن من يبقى داخل الفيلم ليس هو من اشترى تذكرة المشاهدة من الخارج.
لا مقاومة تبدأ من ضعف المدنيين. ولا تحرير يحتاج إلى طفل مذعور كي يثبت جديته. ولا قضية عادلة ينبغي أن تُدفع إلى هذا القدر من العتمة كي يسمعها العالم.

وماذا كان معنى هذا كله، إن كان ثمة معنى أصلًا؟
هنا يبدأ البشر، كعادتهم، في تشغيل آلة التأويل. حين يعجز التحليل السياسي عن إغلاق الجرح، تمتد اليد إلى السماء، لا دائمًا إيمانًا بها، بل أحيانًا لأن الأرض صارت غير صالحة للوقوف. يُستدعى الغيب كما يُستدعى مدير غامض لشركة احترقت كل مكاتبها: لا أحد رآه، لكن الجميع يطلبون منه تفسيرًا متأخرًا للكارثة.
ولعل السؤال لم يعد: ماذا أراد الله؟ بل: ماذا يفعل البشر حين يعلّقون أخطاءهم على مشجب السماء؟ ماذا يحدث حين يصبح الغيب طريقة أنيقة لتجنب الجملة الأبسط والأكثر إيلامًا: لقد أخطأوا. أخطأوا أخلاقيًا، لا تكتيكيًا فقط.
سيقول بعضهم إن من يريد أن يتلمس المعنى في الخراب، عليه أولًا أن يتحرر من عادة تلميع الفاجعة باسم الحكمة. ليس كل ما يحدث درسًا، وليس كل ما لا نفهمه خطة. أحيانًا يكون ما لا نفهمه مجرد فوضى بشرية عارية، ثم يأتي الواعظ بعد ذلك، كمهندس ديكور متأخر، ليضع لها إضاءة دافئة ويقول: لعل في الأمر سرًا.
وسيقول آخرون إن الله لا يُختصر في معادلة، ولا يتنقل بين نقاط السيناريو على شاشة عرض ثلاثية الفعل. هو، في نظرهم، لا يُقرأ بمنطق النتائج القريبة، ولا يُحاكم بما نراه من زاوية ضيقة. سيقولون إن له سننًا، وإن هذه السنن لا تمشي على خط مستقيم، وإن في التاريخ انحناءات لا تُفهم إلا بعد زمن طويل.
لكن المشكلة ليست في أن يقول المؤمن ذلك. المشكلة حين يتحول هذا الكلام إلى غطاء سميك فوق الخطأ البشري. حين يصبح “الغموض الإلهي” غرفة تخزين نرمي فيها كل ما لا نريد مواجهته: سوء الحساب، فائض الحماسة، فساد اللغة، وخفّة التعامل مع أرواح الناس. عندها لا يعود الإيمان بحثًا عن معنى، بل يصبح نظام عفوٍ شاملًا، مختومًا بختم السماء.
قد يكون في العالم نظام ما، وقد لا يكون. قد تكون هناك خطة، وقد لا تكون إلا رغبتنا القديمة في أن لا تبدو الفاجعة عبثية إلى هذا الحد. لكن المؤكد أن أكثر ما يثير الشبهة في كل خطاب عن الخطة أنه يظهر غالبًا بعد الكارثة، لا قبلها. يأتي متأخرًا، أنيقًا، واثقًا بنفسه، كأنه يكتب دليل استخدام لجهاز انفجر بالفعل.

ومن ذا الذي يجرؤ على فهم الإله؟
ربما لا أحد.
لكن السؤال الأشد إزعاجًا: من ذا الذي منح وكلاءه على الأرض هذا القدر من الثقة وهم يشرحون صمته؟ من أعطاهم حق تحويل الخراب إلى درس، والخطأ إلى ابتلاء، والنتيجة الكارثية إلى فصل غامض في رواية كونية لم يقرأها الضحايا، بل كُتبت على أجسادهم؟
لذلك، لن أفترض أن السماء قالت شيئًا واضحًا في هذه الحرب. ما أستطيع قوله فقط أن البشر قالوا الكثير باسمها. وبعض ما قالوه كان عزاءً مفهومًا. وبعضه كان بلاغة رديئة. وبعضه كان، ببساطة، محاولة مهذبة للهرب من المحاسبة.
وفي كل الأحوال، وبصرف النظر عن كل تلك التصورات، فإن الطريق إلى المعنى ليس مفروشًا باليقين، بل بالحيرة. حيرة من يرى أن السماء، إن كانت تسمع، مدينة بشيء من الشرح ولا تفعل. وحيرة من يرى أنها لا تُطالَب أصلًا بالشرح، ثم يعود، رغم ذلك، لالتقاط إشارات صغيرة من بين الركام، كأن الصمت نفسه قابل للتفسير إذا أطلنا النظر فيه بما يكفي.
لكن الحيرة لا تمنح أحدًا حق تحويل الكارثة إلى برهان. لا يكفي أن نقول إن الله كلي المعرفة والقدرة والخير، ثم نطلب من الضحايا أن يقفوا في موقع المتأمل المهذب أمام بحر لا يُحتوى. فهناك لحظات لا يكون فيها التأمل فضيلة، بل ترفًا قاسيًا. لحظات يصبح فيها السؤال نفسه أكثر أخلاقية من محاولة إسكات السؤال. لماذا حدث هذا؟ لماذا تُركوا هكذا؟ ولماذا يملك البشر كل هذه الجرأة على شرح ما لا يدفعون ثمنه؟
ربما يكون الفهم، في زمن آخر، شكلًا من أشكال العبادة. أما هنا، وسط هذا الخراب، فقد يكون الفهم شيئًا أكثر تواضعًا وأقل طمأنينة: محاولة ألا نكذب على أنفسنا. ألا نخلط بين المعنى والتبرير. ألا نضع فوق الجرح قماشة لاهوتية نظيفة ونقول إن النزيف جزء من التصميم. فليكن هناك معنى إن وُجد، لكن لا ينبغي أن يكون المعنى ممرًا خلفيًا لإعفاء البشر من مسؤوليتهم، ولا طريقة أنيقة لجعل الفاجعة تبدو أقل فجاجة مما هي عليه.
اعذروني إن بدا الكلام ميتافيزيقيًا أكثر مما تتحمله واقعية الدم. لكنني أكتب من الهامش، وهذه جملة ينبغي أن تُقال قبل أي تأمل. أنا لست هناك. لم يسقط سقف فوق رأسي، ولم أبحث عن وجهٍ أعرفه بين الغبار، ولم أتعلم معنى الليل من صوت الطائرات. أنا لست ضحية، ولا أملك امتياز الكلام باسم الضحايا. ولذلك، إن كان لي أن أفكر، فعليّ أن أفعل ذلك بحذر، لا كمن يشرح الألم لأهله، بل كمن يخاف أن يتحول فهمه نفسه إلى نوع آخر من الوقاحة.
حين تكون في عين العاصفة، فإن مهمتك الأولى هي البقاء. أما حين تكون على حافتها، فمهمتك الأصعب ألا تستعمل نجاتك كمنصة للبلاغة. أن تفهم، نعم، لكن لا كي تُنتج عزاءً جميلًا لمن لم يطلبه، ولا كي تمسح عن الخراب خشونته، بل كي لا تموت كمجرد متفرج ظن أن المشاهدة موقف.
لذلك لا أريد أن أسأل هنا: ماذا أرادت السماء؟ فالسؤال، بصيغته تلك، يمنحنا راحة مبكرة أكثر مما يمنحنا معرفة. أريد أن أسأل بطريقة أقل فخامة وأكثر إزعاجًا: ماذا فعل البشر بما اعتقدوا أنه إرادة السماء؟ كيف تحولت الكلمات الكبرى، من النصر إلى الابتلاء إلى الاصطفاء، إلى ستائر لغوية ناعمة تُعلّق فوق قرارات بشرية شديدة القسوة؟
لا داعي لتجنب السؤال الأكثر حرجًا: لماذا لم يُنقَذوا؟ لماذا ظل كل شيء يعمل كما لو أن العالم آلة بلا قلب؟ لماذا لم تنشق السماء، ولم تتدخل العدالة في لحظتها الحاسمة، ولم يحدث ما كانت كتب الطفولة تعدنا به حين يصبح الشر واضحًا إلى هذا الحد؟ لكن ربما يكون السؤال الأشد مرارة ليس موجّهًا إلى الغيب، بل إلى الذين يشرحونه بسهولة. إلى أولئك الذين يصلون دائمًا بعد الفاجعة حاملين مفاتيح المعنى، كأنهم موظفو استقبال في فندق احترق بنزلائه.
هل يمكن أن تكون هناك خطة بعد كل ذلك؟ ربما. وربما لا. وربما تكون “الخطة” مجرد اسم نبيل نطلقه على عجزنا عن احتمال العبث. ما أعرفه فقط أن أي معنى لا يبدأ من محاسبة البشر، لا من تبرئتهم، هو معنى فاسد منذ الجملة الأولى. وأي تأمل يجعل الخطأ الأخلاقي تفصيلًا في لوحة كونية أكبر، إنما يضيف إلى الكارثة طبقة جديدة من التجميل الرديء.

لنأخذ مثال جماعة حماس، لا بوصفها أصل الشر كما يحبّ خصومها أن يقولوا، ولا بوصفها ذروة الطهر كما يحبّ أنصارها أن يتخيلوا، بل بوصفها نتيجةً معقدة لزمن فلسطيني طويل تُرك فيه الناس بين احتلال شرس، وسلطة منهكة، ومشروع سياسي مفرغ، وعالم لا يصحو إلا حين يسيل الدم بما يكفي ليصير صالحًا للبث.
حماس حركة دينية عقائدية، تؤمن بالآخرة أكثر مما ينبغي لأي حركة سياسية أن تفعل، وتتعامل مع الجهاد لا كخيار ضمن شروط التاريخ، بل كقمة في الوجود ومعنىً يكاد يبتلع ما حوله. تحمل نفسها مسؤولية الدفاع عن القدس وفلسطين والأقصى، حتى حين يصبح السؤال المزعج: وماذا لو كان هذا الحمل نفسه، بهذه الطريقة وبهذه الحسابات، يدفع القدس وفلسطين والأقصى إلى خراب أوسع؟
لا أشك أن بين مقاتليها من أخلص لما اعتقده تكليفًا شرعيًا. لكن الإخلاص، هنا، ليس براءة. الإخلاص قد يكون أحيانًا أخطر أشكال العمى، لأنه يمنح صاحبه طمأنينة داخل القرار الكارثي. دخلوا المعركة وهم يظنون أن القاموس القديم لا يزال صالحًا: فتح، نصر، ابتلاء، اصطفاء، وعد. لكن الواقع، ببرودته الوقحة، لم يكن يقرأ من القاموس نفسه.
هنا لا يكفي أن نلاحظ فقط، ولا أريد أيضًا أن أحاكم من منصة مريحة. لكن لا بد من تسمية ما حدث: حماس بدت، لكثيرين، مختبرًا كاملًا لفشل اللاهوت حين يدخل غرفة العمليات السياسية والعسكرية. حركة تصورت أن اليقين يعوض نقص الخيال السياسي، وأن الحماسة تستطيع أن تقوم مقام الأخلاق، وأن من يحمل قضية عادلة يُمنح تلقائيًا تخفيضًا على كل خطأ يرتكبه في الطريق.
ومع ذلك، حماس لم تهبط من فراغ، ولم تظهر في مختبر شرير خارج التاريخ. هي بنت الحصار، وبنت الخذلان، وبنت انسداد الأفق، وبنت تلك المعادلة الفاسدة التي جعلت الفلسطيني محاصرًا بين مشروع سلام بلا سيادة، ومقاومة بلا مشروع ناضج. هذه الخلفية تفسر، لكنها لا تبرر. تشرح كيف نشأت الحالة، لكنها لا تمنحها حق تحويل الناس إلى وقود لمعنى لم يوافقوا عليه.
في جوهرها، حماس ليست مقاومة فقط، بل جهاز تأويل. آلة كبرى لتحويل الخسارة إلى اصطفاء، والمأزق إلى ابتلاء، والخطأ إلى سر لا يدركه إلا المؤمنون. هذه ليست سياسة بالمعنى الحديث، بل كيمياء خطرة: قليل من الفقه، كثير من الحصار، رشة من الخيال الأخروي، وذاكرة جمعية مجروحة، فإذا بك أمام حركة تستطيع أن ترى في الجنازة برهانًا على صحة الطريق.
وهنا تكمن السخرية السوداء: حركة تقول إنها تدافع عن الحياة، لكنها لا تكف عن شرح فضائل الموت. تقول إنها تحرر الأرض، لكنها تتصرف أحيانًا كما لو أن الأرض منصة عبور إلى الآخرة. تقول إنها تمثل شعبًا، لكنها حين تضيق بها الحسابات تتحدث باسم السماء، والسماء، كالعادة، لا تعقد مؤتمرًا صحفيًا لتنفي.
في خطابها العلني على الأقل، لا يظهر ارتباك كافٍ أمام الموت. ليس الموت بوصفه مأساة، بل بوصفه معبرًا. ليست المجزرة نهاية، بل امتحانًا أو اصطفاءً أو مادةً جديدة في بلاغة الصبر. ومن هنا يصبح ممكنًا، بضمير مطمئن، أن توضع أرواح الآخرين في ميزان التضحية نفسه: لا لأنهم أدوات بالمعنى الفج، بل لأن المخيال العقائدي يراهم شركاء في خلاص لم يستشرهم أحد في كلفته.
وهذا هو جوهر الاعتراض. ليست المشكلة أن حماس قاتلت احتلالًا، فالاحتلال يستدعي المقاومة بطبيعته. المشكلة أنها تصرفت كأن عدالة القضية تكفي لتعليق الأسئلة الأخلاقية، وكأن الشعب الذي تدّعي تمثيله يمكن أن يُستدعى إلى المذبحة ثم يُطلب منه لاحقًا أن يفهم الحكمة. لا أحد يملك هذا الحق. لا قائد، ولا فصيل، ولا خطيب، ولا راية، ولا آية تُقرأ فوق قرار لم تُحسب عواقبه بما يكفي.
حماس، بهذا المعنى، ليست حالة جيدة بكل تأكيد، لكنها حالة كاشفة. جاءت في لحظة عطالة، حين نُحرت فلسطين بين مشروع مفرغ بلا مقاومة، ومقاومة بلا مشروع. هذا ما رأته في نفسها، أو ما سوّقته عن نفسها: البديل الوحيد في زمن لم يترك بدائل كثيرة. لكن كونها مفهومة تاريخيًا لا يجعلها معصومة سياسيًا، وكونها ابنة الجرح لا يجعل كل ما تفعله شفاءً.
ومع سذاجة رهاناتها، واختلال حساباتها، وتحالفاتها التي لا تشبه نقاء خطابها، دفعت حماس مقاتليها إلى معركة بدت كأنها صلاة العصر الأخيرة: أبواب أُغلقت، يقين ارتفع، لغة امتلأت بالوعد، وواقع كان يستعد لابتلاع الجميع.
ثم جاءت النتيجة لا كنصر، بل كفضيحة كبرى للغة التي وعدت بالنصر.

هنا تحديدًا وقع الAnticlimax، والكلمة في أصلها الدرامي تعني تلك اللحظة التي يرتفع فيها التوتر والتوقع إلى حدّ شاهق، ثم تأتي الخاتمة أصغر من المقدمة، أضعف من الوعد، وأبرد من كل الموسيقى التي سبقتها. إنها ليست مجرد خيبة أمل، بل سقوط الإيقاع نفسه: أن يُبنى المسرح كله لاستقبال ملاك، ثم يدخل موظف متعب يحمل ورقة إخلاء.
كان أنصار حماس، طوال شهور وسنوات، يعيشون داخل بناء نفسي هائل. لم تكن المسألة تأييدًا سياسيًا عاديًا، بل إقامة شبه كاملة داخل نبوءة. زوال إسرائيل في عقدها الثامن، نبوءة أحمد ياسين عن عام 2027، تلبيس نصوص الرباط بعسقلان على غزة، واستدعاء “لا يضرهم من خذلهم” كأنها بطاقة تعريف إلهية لحركة سياسية معاصرة، ثم الذهاب أبعد إلى ربط خراب يثرب بعمار بيت المقدس، كأن التاريخ كله كان ينتظر بيانًا عسكريًا من القسام كي يكشف مقصده الأخير.
فوق هذا كله، جاءت طبقة الصورة والصوت: خطابات أبي عبيدة بنبرتها المسرحية المحكمة، فيديوهات المثلثات الحمراء، الاشتباك من مسافة صفر، العناوين العاجلة عن “حدث أمني صعب” في إسرائيل، وتلك الصياغات التي كانت تمنح المتابع إحساسًا بأن هزيمة ساحقة ماحقة تقع هناك، لكن العدو يتكتم عليها بمهارة شيطانية. كان المتابع البعيد يرى فتات مشاهد، فيكملها بخياله. يرى دبابة تحترق، فيتخيل جيشًا ينهار. يسمع عن كمين، فيتخيل دولة تتفكك. يقرأ عنوانًا غامضًا، فيملؤه بما يريد أن يحدث، لا بما حدث فعلًا.
وهكذا نشأ الـ build-up النفسي: تراكم محموم من النبوءة، والبلاغ، والمقطع، والآية، والحديث، والمنام، والتحليل، والخبر العاجل. كل شيء كان يدفع باتجاه خاتمة كبرى، باتجاه مشهد أخير يليق بكل تلك الموسيقى: إسرائيل على ركبتيها، المقاومة خارجة من الأنفاق كقدر لا يُقاوم، والسماء وقد وضعت توقيعها على البيان الختامي.
لكن الجبل، بعد كل هذا الضجيج، تمخّض فولد فأرا.
لم يأتِ المشهد الأخير بحجم النبوءة. لم تنشق الأرض تحت أقدام إسرائيل، ولم ينهار الكيان في عقده الثامن، ولم تتحول البلاغات العسكرية إلى تحرير، ولا الفيديوهات إلى مشروع سياسي، ولا الموت الهائل إلى نصر قابل للسكن.
ما حدث كان شيئًا أقسى بكثير: انكشفت المسافة بين الخيال التعبوي والواقع. بين اللغة التي تَعِد، والمدينة التي تدفع. بين جمهور كان ينتظر ملحمة، وناس وجدوا أنفسهم داخل مقبرة مفتوحة.
ومن هنا جاء الإحساس العدمي. ليس فقط لأن حماس هُزمت، أو لأن الرهان لم يتحقق، بل لأن اللغة نفسها بدت فجأة كأنها كانت تخدع أصحابها.
كل تلك الكلمات التي بدت مشحونة باليقين صارت بعد الكارثة خفيفة، جوفاء، محرجة: النصر المؤجل، الوعد القادم، المعركة الفاصلة، البشارات، الاصطفاء، الثبات، كلها أخذت طعم الرماد.
وحين ينهار الوعد بهذا الشكل، لا ينهار معه موقف سياسي فقط، بل ينهار النظام العاطفي الذي كان يمنح أصحابه القدرة على احتمال العالم.
الـ Anticlimax هنا لم يكن فنيًا فقط، بل وجوديًا. كان سقوطًا من ذروة السكر الرمزي إلى أرض باردة لا تعرف المجاز.
كأن الجمهور الذي انتظر الفصل الأخير من الملحمة اكتشف أن العرض لم يكن ملحمة أصلًا، بل سوء حساب طويل، وأن التصفيق الذي ملأ القاعة لم يكن يغير شيئًا في مصير من كانوا تحت الركام
وهنا تبدأ أسئلة اكبر، لا بوصفها محاكمة للغيب، بل بوصفها تفتيشًا في الطريقة التي نُدير بها عجزنا عن الفهم. أين كانت يد العدالة حين كان المشهد واضحًا إلى هذا الحد؟ لماذا لم يحدث ذلك النوع من التدخل الذي وعدتنا به الحكايات القديمة، حين كان الشرّ يبلغ درجة لا تحتاج إلى تأويل؟ أليست النصوص، في ذاكرة المؤمنين، مليئة بلحظات تنقلب فيها الموازين فجأة؟ ملائكة، بحر ينشق، طير أبابيل، نار تفقد وظيفتها القديمة؟ أم أن التاريخ الحديث لم يعد يحتمل المعجزات إلا كاستعارات، وأن السماء، إن كانت تراقب، لم تعد تتدخل بالطريقة التي تتخيلها كتب الطفولة؟
في خضم الإبادة، ظهرت كالعادة قصص تلمّح إلى تدخل غيبي: مقاتل ينجو من موقف مستحيل، طفل يخرج من تحت الركام بعد رواية عن يد نورانية، جسد صغير ينجو بما يكفي كي يتحول إلى حكاية. لا أريد السخرية من حاجة الناس إلى العزاء. من حق المكسور أن يتشبث بأي ضوء، ولو كان صغيرًا، ولو كان مرتجفًا. المشكلة تبدأ حين تتحول ومضة النجاة إلى نظرية كونية، وحين تُستعمل الحكاية الفردية كدليل على أن المسار كله مفهوم، أو مبارك، أو واقع ضمن عناية لا ينبغي مساءلتها.
العقل النقدي، وهو ليس خصمًا للإيمان بقدر ما هو خصم للكسل، يقف هنا متسائلًا: إن كانت السماء تتدخل، فلماذا تبدو تدخلاتها انتقائية إلى هذا الحد؟ لماذا تنجو حكاية واحدة لتصبح منشورًا، بينما تبقى آلاف الحكايات الأخرى بلا راوٍ؟ لماذا نحتفي بالاستثناء كأنه قاعدة، ثم نترك القاعدة نفسها في الظل؟ ولماذا يصبح الناجي دليلًا على الرحمة، بينما لا يجد من لم ينجُ مكانًا في الجملة إلا بوصفه رقمًا أو ابتلاءً أو سرًا لا نفقهه؟
هؤلاء الذين يسألون ليسوا بالضرورة ملاحدة، ولا أعداء للمعنى. كثير منهم مؤمنون، لكنهم يملكون ذوقًا أخلاقيًا يمنعهم من تحويل النجاة الفردية إلى خطاب انتصار. يعرفون أن اللطف، إن وُجد، لا يكفي وحده لتفسير الحرب. وأن ومضة صغيرة، مهما كانت مؤثرة، لا تصلح لبناء عقيدة كاملة عن إدارة السماء للمأساة. فالسياق الأوسع يقول شيئًا آخر: أن الكارثة وقعت، واتسعت، وابتلعت من المعنى أكثر مما أنقذت منه.
إن تفسير هذه القصص بوصفها علامات اصطفاء أو نصر يشبه الاستدلال على بركة المطر من قطرة واحدة على اللسان، بينما المدينة كلها تحترق عطشًا. ليس من الرداءة أن يبحث الناس عن عزاء. الرداءة تبدأ حين نستعمل الناجين كدليل على عناية غيبية، ونترك غير الناجين في الهامش، كأنهم لم يكونوا مؤهلين بما يكفي للمعجزة.

هنا لا يعود السؤال كفرًا، بل ذوقًا أخلاقيًا. وربما كان أكثر الأسئلة تهذيبًا وقسوة في الوقت نفسه: لماذا نطالب المأساة بأن تمنحنا إشارات مطمئنة، بدل أن نعترف بأنها، في حجمها العاري، إدانة كافية لكل من حاول أن يضع لها خاتمة روحية أنيقة؟
لكن يبقى السؤال، كمنجم فارغ في قلب جبل: لماذا انهارت اللغة التي وعدت بالنصر؟ لماذا لم تحدث تلك المعجزة التي نحسن روايتها في كتب الأطفال أكثر مما نحسن قراءتها في التاريخ؟ لماذا لم يتصدع الجدار، ولم ينشق البحر، ولم تتحول النار بردًا وسلامًا على أولئك الذين اعتقدوا أنهم يسيرون في الطريق الصحيح؟
هل خانهم الإخلاص؟ لا يبدو ذلك، على الأقل من الناحية الأيديولوجية. وربما كان هذا تحديدًا ما يجعل المسألة أكثر قسوة. فقد يكون الإنسان مخلصًا تمامًا، ومخطئًا تمامًا في الوقت نفسه. الإخلاص ليس بوليصة تأمين أخلاقية، ولا ضمانة ضد الكارثة. أكثر الأخطاء فداحة في التاريخ لم يرتكبها دائمًا ساخرون من المعنى، بل أناس كانوا مطمئنين إلى أنهم يخدمونه.
دخلوا المعركة وفي أذهانهم قاموس كامل من الفتح والاصطفاء والتمكين والابتلاء. لكن الواقع لم يكن يقرأ من القاموس نفسه. الواقع كان أكثر برودة، وأكثر فجاجة، وأقل اكتراثًا بالنوايا. لم يسألهم إن كانوا صادقين، بل سألهم، بطريقته القاسية، إن كانت صداقتهم كافية لحماية الذين سيتحملون نتائجها.
لم يكن السؤال إذن: هل كانوا مؤمنين بما فعلوا؟
بل: ماذا نفعل حين يصبح الإيمان نفسه جزءًا من سوء الحساب؟ وحين يتحول اليقين، لا الخيانة، إلى المادة التي تُصنع منها الكارثة؟
لقد صلّوا، وضحّوا، وتوكلوا، وربما فعلوا ما يفوق الطاقة البشرية أحيانًا. لكن النتيجة لم تكن نصرًا، بل انكشافًا واسعًا: انكشاف اللغة، والرهان، والتحالفات، والخيال السياسي كله. لا شيء يوحي بأن وعدًا واضحًا قد أُعطي ثم أُخلف. الأقرب أن الوعد كان من صنع البشر، وأنهم قرأوا رغبتهم في السماء، ثم فوجئوا حين لم يردّ عليهم التاريخ بالنبرة نفسها.
في السرديات الكبرى، لا تأتي العدالة غالبًا في موعدها. لا يُنصر من يستحق فورًا، ولا يُعاقب من يبطش في اللحظة التي تبلغ فيها الجريمة ذروتها. ولهذا يخترع البشر، أو يكتشفون، ذلك الأفق الطويل الذي يسمونه تاريخًا أو قدرًا أو سننًا أو حكمة مؤجلة. كأن الرواية لا تُكتب بلغة الفصل الواحد، بل كما تُبنى الجبال: طبقة فوق طبقة، ثم تأتي الريح، بعد زمن لا يطيقه الضحايا، لتنحت على الصخر اسمًا لم يعد أحد من أصحابه حيًا كي يقرأه

سيقفز البعض، بطبيعة الحال، إلى التعزية الجاهزة: ليس كل تأخر غيابًا، وليس كل صمت تخليًا. سيقولون إن الفشل قد يكون درسًا، وإن النهاية قد تكون بداية، وإن النموذج القديم كان يجب أن يُستنفد كي يولد نموذج آخر. هذه لغة مألوفة، ناعمة بما يكفي كي تمر فوق الخراب دون أن تتسخ قدماها كثيرًا. لكنها، مهما بدت عميقة، تحمل خطرًا صغيرًا وخبيثًا: أنها تجعل الكارثة تبدو كما لو أنها كانت ضرورية، وتجعل الضحايا موادًا في تجربة تاريخية لم يوقّعوا على شروطها.
ربما كان ما انتهت إليه حماس نهاية حقبة فعلًا. نهاية لغة، ونهاية نموذج، ونهاية طريقة في تخيل النضال كأنه مزيج من البيان العسكري والخطبة الدينية والرهان على انفعال الشعوب. لكن هذا لا يعني أن النهاية كانت مقصودة من السماء، ولا أن الدم كان وسيلة تربوية في منهج كوني غامض. هذا النوع من الكلام يريح المتكلم أكثر مما ينصف الضحية. يجعلنا نرتب الفاجعة داخل رف فلسفي أنيق، بينما لا تزال رائحتها في الهواء.
لقد قالوا مرارًا: “اللهم استعملنا ولا تستبدلنا”. والجملة، حين تُقال كثيرًا، تكشف أكثر مما تقصد. فهي تفترض أن أعلى ما يطلبه الإنسان أن يظل صالحًا للاستعمال، كأداة في يد معنى أكبر منه. لكن السياسة التي تقبل لنفسها أن تكون أداة، ستتعلم بسرعة أن ترى الآخرين كمواد في الورشة نفسها. ومن هنا يبدأ الانزلاق: من التضحية بالنفس إلى التصرف بأرواح الناس، من “نحن اخترنا” إلى “الشعب كله اختار معنا”، ومن الإيمان بالدور إلى مصادرة حق الآخرين في رفض الكلفة.
وقد استُعملوا فعلًا. لكن ليس بالضرورة من السماء. استعملتهم المنطقة، واستعملتهم إيران، واستعملتهم الشاشات، واستعملهم خصومهم، واستعملتهم عواطف الجماهير التي تحتاج كل بضع سنوات إلى ملحمة جديدة كي لا تعترف بعجزها القديم. استعملهم الذين يريدون بطلًا تلفزيونيًا لا جارًا تحت القصف، والذين يحبون غزة كصورة عالية التباين، لا كمكان يسكنه بشر يريدون حياة أقل بلاغة وأكثر احتمالًا.
وفي النهاية، كالعادة، بقيت غزة تدفع فاتورة الاستعمال. لا الشعارات دفعت، ولا العواصم دفعت، ولا المحللون الذين خرجوا من الاستوديوهات بوجوه متعبة ومكافآت محترمة. دفعها الناس الذين لم يُستشاروا في “الخطة”، ولم يوقّعوا على “الدرس”، ولم يطلبوا أن يكونوا جسرًا بين نموذج مات ونموذج لم يولد بعد.

ربما كان ما انكشف عبر حماس هو نهاية فصل كامل. لا لأنها أُرسلت لتغلقه، ولا لأنها حملت سرًا تاريخيًا لا يراه غيرها، بل لأن ما حدث وضع هذا النهج، وهذه اللغة، وهذه التحالفات، وهذه الطريقة في إدارة المقاومة، أمام أقصى اختبار ممكن. وفي الاختبار، بدا النموذج وقد بلغ مداه: لا كفروسية أخيرة، ولا كخاتمة ملحمية، بل كطبعة متأخرة من كتيّب قديم، كُتب بلغة الخطب لا بلغة العالم، وبلغة اليقين لا بلغة الحساب.
لم تكن حماس “آخر الفرسان”، بقدر ما كانت آخر تعبير كبير عن خيال سياسي استهلك نفسه وهو يظن أنه يتجدد. شخصية تراجيدية دخلت المسرح وهي تظن أنها تحمل النبوءة، ثم اكتشفت، بعد أن أُضيئت القاعة على الوجوه المحترقة، أنها كانت تحمل سوء قراءة. لا مأساة أشد سخرية من أن تدخل التاريخ باسم الوعد، ثم تترك خلفك سؤالًا واحدًا: من سيدفع ثمن هذا الوعد حين يتبخر؟
ويا لسخرية القدر. حركة يضيق صدر خطابها بالحداثة، انتهت إلى الاعتماد الكامل على كاميراتها، ومنصاتها، وخوارزمياتها، وصورها الجوية، وبياناتها الفورية. وخطاب يزدري الغرب احتاج، في كل لحظة، إلى اعتراف الغرب، وإدانة الغرب، ومحاكم الغرب، وجامعات الغرب، وصحف الغرب. حتى الخصومة نفسها كانت تستجدي جمهورها من الشرفة التي تشتمها، كمن يلعن المسرح طوال العرض، ثم يغضب لأن التصفيق لم يكن كافيًا.
أما أبناء الفصل القادم، إن وُلد فصل كهذا أصلًا، فلن يكونوا آخر طبعة من الخيبة نفسها. لن يثقوا كثيرًا بوسيط لا يمسك بخيوط اللعبة، ولن يراهنوا بسهولة على خطاب تعبوي في زمن البودكاستات الباردة، ولن يظنوا أن رفع السقف الأخلاقي، بجدية أو باستعراض، كافٍ وحده لإسقاط سقف الاحتلال. وسيفهمون، غالبًا، أن مطالبة الجماهير خارج غزة بأن “تتحرك” دون أي تصور لمعنى الحركة، ليست سياسة، بل نداء في بئر. حركة لا تتجاوز مقاطعة ستاربكس، أو ترديد جملة عاطفية مستهلكة من نوع “صعّبتم الجنة علينا يا أهل غزة”، ليست تضامنًا بقدر ما هي طقس صغير لتخفيف الذنب.
هذه مرحلة توشك أن تنتهي، لا لأنها استنفدت ألمها، بل لأنها استنفدت لغتها. بكل ما فيها من أحلام وأوهام، أناشيد وبيانات، دموع موسمية، وشعارات تُعلّق فوق الخراب كزينة رخيصة في بيت محترق. آن للجيل الناشئ ألا يرث هذا كله كما هو: لا أفراحه المصطنعة، ولا أتراحه المستثمرة، ولا أشباحه التي تواصل التجول في الذاكرة وهي تطلب من الأحياء أن يكرروا المسرحية نفسها.
تقول سعاد حسني وهي تئن أنينا بكلمات صلاح جاهين:
بص شوف
ركن الشباب فيه ألف مليون شاب
ومش عاجبهم لا وصي ولا أب
أنظر إليهم وانت تتذكر
ليه ضربه صابت؟
وضربه خابت؟
وضربه وقفت بالشريط فى وضع ثابت؟

وكأنها تصف لحظة تتكرر في التاريخ: لحظة يكتشف فيها جيل جديد أن اللغة التي ورثها لم تعد تكفيه، وأن الآباء، بمعناهم السياسي والرمزي، تركوا له مسرحًا مليئًا باللافتات، وقليلًا جدًا من المخارج.
في الملحمة السومرية “جلجامش” لم يبلغ البطل الحكمة إلا بعد أن سقط في التيه، وخسر صديقه أنكيدو، وواجه موتا لا يقهر. ربما نحن الآن في مرحلة فقد أنكيدو. لم تبدأ الحكمة بعد، لكن الشرخ تشكّل.

ما قد يأتي، إن أتيح له أن يتشكل أصلًا، لن يكون وريثًا لحماس لا في الشكل ولا في الروح. لن يكون جماعة تخرج من عباءتها، ولا نسخة أكثر حداثة من خطابها، ولا محاولة جديدة لتسويق الخراب بوصفه مرحلة ضرورية في طريق الخلاص. سيكون، على الأغلب، أثرًا طويلًا لهذه المأساة: حساسية سياسية وأخلاقية تولد من بين الركام، لا لأنها وجدت إجابات جاهزة، بل لأنها دفعت ثمن الأسئلة التي تهرّب منها الآخرون.
فالمشكلة الأعمق لم تكن فقط في أن حماس أخطأت أخلاقيًا في السابع من أكتوبر، بل في أنها جعلت غزة كلها تدخل بعده إلى غرفة العقاب المفتوحة. تصرفت كأن القطاع مخزون رمزي لا ينفد، وكأن البيوت يمكن أن تتحول إلى هوامش في بيان، والأمهات إلى شواهد على صحة الطريق، والأطفال إلى كلفة مؤلمة لكنها مفهومة في ميزان أوسع لم يوافقوا عليه. هنا لا تعود المسألة مجرد خطأ تكتيكي، ولا حتى ارتباك أخلاقي عابر، بل خلل في أصل العلاقة بين الفصيل والناس: من منحك حق أن تراهن بجسد مدينة كاملة؟
لن تأتي الحساسية القادمة، إن جاءت، من التنظيرات المعهودة، ولا من أولئك الذين وقفوا على المنصات يدافعون عن حماس باسم غزة، بينما كانت غزة نفسها تحترق تحت ثقل الحسابات والبلاغة. سيعرف أبناء هذه المأساة أن أسوأ ما في الخطاب القديم لم يكن أنه خسر، بل أنه طلب من الناس أن يسمّوا خسارتهم معنى. أن يقبلوا موتهم كدليل على الصواب، وخراب بيوتهم كعلامة على الثبات، وجوع أطفالهم كجزء من مشهد أكبر لا يملك أحد حق الاعتراض عليه.
ولذلك، إن كان من معنى للفصل القادم، فلن يكون في أن يصبح أكثر صخبًا أو أكثر بطشًا، بل في أن يصبح أقل قابلية للابتزاز باسم القضية. لن يحتاج إلى خطيب يرش على الفشل ماءً مقدسًا، ولا إلى قناة فضائية تحول الكارثة إلى نشيد، ولا إلى جمهور خارجي يصفق للّقطة ثم يغادر قبل دفع الفاتورة. سيبدأ من سؤال أكثر تواضعًا وقسوة: كيف يمكن الدفاع عن فلسطين من غير أن يصبح الفلسطيني نفسه مادة قابلة للاستهلاك في ماكينة الدفاع عنها؟
سيعرف، أو ينبغي أن يعرف، أن أول شروط العدالة ألا يُضحّى بالناس الذين تزعم إنقاذهم. ألا يتحول أهل غزة إلى ضمانة معنوية لقرارات لم يشاركوا في صنعها. ألا يُطلب من المدينة أن تكون قربانًا دائمًا كي يبقى الخطاب محتفظًا بنبرته العالية. وألا تُخبّأ الحسابات الناقصة في مفردات من نوع: الصمود، والابتلاء، والثبات، والتضحيات. فهذه الكلمات، حين تُستعمل بلا خجل، لا تعود لغة مقاومة، بل تصبح طريقة مهذبة لإدارة المقبرة.
الفصل القادم، إن كان يستحق اسمه، لن يبدأ بإعلان كبير. سيبدأ من مراجعة صامتة للعلاقة بين البندقية والناس. من سؤال صغير لكنه قاس: كيف نقاوم من غير أن نأكل أبناءنا رمزيًا؟ وكيف نحفظ عدالة القضية من أولئك الذين يظنون أن عدالتها تمنحهم حق التصرف بأجساد أصحابها؟

من سيؤطّر الفصل القادم، إن كان له أن يتأطّر أصلًا، لن يكون ابن الخطابية الرتيبة، ولا ابن الفكر الذي أُنهك في الدفاع عن الجدران المتصدعة. لن يكون ناطقًا جديدًا باسم حلم قديم، ولا واعظًا أكثر أناقة يضع على الفشل مفردات أقل خشونة. ما نحتاجه، إن كان في هذا الخراب ما يسمح بالحاجة، ليس عقلًا خارقًا يدوّن نبوءة جديدة، بل وعيًا أكثر تواضعًا وقسوة: وعيًا يعرف أن الخسائر البشرية ليست تفصيلًا على ميزان العدالة، وأن غزة ليست مادة خامًا في مختبر المعنى، وأن الدم لا يصير أكثر احتمالًا حين نمنحه اسمًا كونيًا.
هذا الوعي لن يخرج، على الأغلب، من المنابر التي احترفت الدفاع عن كل شيء إلا الإنسان نفسه. ولن تكون له علاقة عضوية بوسائل الإعلام التي امتصت الحدث حتى التخمة، ثم لفظته حين ضعفت قابليته للمشاهدة. الإعلام المتعاطف مع غزة، في كثير من لحظاته، لم يفلح في أن يكون جسرًا بقدر ما صار مرآةً متوترة لعجزنا: يبكي، يكرّر، يرفع النبرة، ثم يترك المشاهد في نهاية اليوم أمام الشعور نفسه، شعور أنه شارك في شيء لم يغيّر شيئًا.
أما خريجو التفاعل اللحظي، أولئك الذين يرون في كل دمعة فرصة لتكثيف الحضور، وفي كل مشهد خراب مادة قابلة للتدوير، فلن يكونوا هم من يمنحون هذا الفصل لغته. هؤلاء لا يؤرخون للزلزال، بل يضعون عليه فلترًا مناسبًا قبل أن ينتقلوا إلى زلزال آخر. إن كانت هناك خريطة قادمة، فلن تُرسم في الاستوديوهات، ولا في غرف المونتاج، ولا في منصات تتعامل مع الوجع كأنه موسم محتوى.
ستصعد، إن صعدت، من مكان أقل لمعانًا: من سؤال غزّي بسيط ومخيف في آن واحد: من قرر أن تكون حياتنا مادةً في بيان؟ ومن أعطى أحدًا حق تحويل خراب بيوتنا إلى دليل على صحة الطريق؟ هناك، لا في ضجيج الشاشات، قد تبدأ لغة أخرى. لغة لا تحتفل بالصمود قبل أن تسأل عن كلفته، ولا ترفع الضحية إلى مقام الرمز قبل أن تعترف أولًا بأنها كانت إنسانًا يريد أن يعيش.
الفصل القادم، إن جاء، قد لا يكون جذابًا للجماهير الموسمية، تلك التي تتفاعل مع الدم كما تتفاعل مع مباراة كبرى: حماس لحظي، شعارات جاهزة، صور موحدة، ثم عودة هادئة إلى النوم في نهاية الشوط. لن يولد من رحم الهاشتاغ وحده، ولا من سوق المزايدة العاطفية التي تتحول فيها غزة أحيانًا إلى مسابقة غير معلنة: من يحبها أكثر؟ من يبكيها بصوت أعلى؟ من يضع الجملة الأكثر حرارة فوق الصورة الأكثر قسوة؟
هذا لا يعني احتقار الناس في عجزهم. فالعجز نفسه قد يكون شكلًا من أشكال الألم. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول العجز إلى طقس مكتفٍ بذاته، وحين يصبح التفاعل بديلًا عن الفهم، والنشر بديلًا عن المسؤولية، والعبارة الجاهزة طريقة لتسكين الضمير لا للاقتراب من الحقيقة.
الفصل القادم لن يأتي من أولئك الذين يسابقون الزمن لنشر تسجيل صوتي لقائد مقاومة، أو حكاية غامضة عن رجل صالح ظهر في المنام يحمل بشارة النصر. ولن يأتي من الذين يكررون، فوق خراب غزة، قاموسًا كاملًا من العبارات المطمئنة: “اصمدوا”، “ما بعد الصبر إلا الفرج”، “غزة لا تنكسر”، “أهل غزة أحفاد الصحابة”، “صعّبتم الجنة علينا يا أهل غزة”. هذه الجمل، حين تُقال من بعيد وبلا كلفة، قد تبدو أحيانًا أقل تضامنًا مما هي محاولة لتجميل العجز. كأن المطلوب من أهل غزة ليس فقط أن ينجوا، بل أن يمنحوا الآخرين مادة روحية نبيلة وهم يُسحقون.
وكأن المأساة صارت حملة دعائية كبرى. حملة لا تبيع منتجًا، بل تبيع شعورًا مؤقتًا بالطهارة. هناك من يقول لغزة، من حيث لا يدري: كوني مؤلمة بما يكفي كي نشعر أننا طيبون. كوني صامدة بما يكفي كي لا نشعر أننا متواطئون. كوني أسطورة، لأن الإنسان العادي، حين يجوع ويخاف ويريد بيتًا ومدرسة ونافذة، يربك الخطاب أكثر مما ينبغي.
هذا العالم لم يكتفِ بأن يخذل، بل طلب من الضحية أن تشرح خذلانها بلباقة، وأن تتحول إلى صورة قابلة للتداول، وعبارة قابلة للطباعة، ومشهد يمكن تعليقه في ممرات الفن المفاهيمي أو على قمصان المناسبات الأخلاقية العابرة. غزة، في هذا الاقتصاد البارد، لا تُرى دائمًا كمكان يعيش فيه بشر، بل كمخزن لا ينفد للرموز.
لكن الوعي القادم، إن كان سيولد من هذا كله، لن يقف طويلًا عند هذه المسرحيات. لن يطلب نصرة من جمهور عاطفي ذاكرته قصيرة، ولا من منصات تتعامل مع الفقد كأنه موسم محتوى. لن يخاطب شعوبًا تنتشي من هزيمتها ثم تسمي تلك النشوة نصرًا. سيعرف أن الذاكرة الحية لا تُختصر في منشور، وأن التضامن الذي لا يقترب من سؤال الكلفة يبقى ديكورًا أخلاقيًا، مهما ارتفعت نبرته.
الفصل القادم لا يحتاج إلى جمهور يصفق للّقطة ثم يغادر. يحتاج إلى ذاكرة لا تسمح بتحويل أهل غزة إلى رموز قبل أن تعترف بهم كبشر. يحتاج إلى وعي يتغذى على الفقد لا على التريند، وعلى السؤال لا على الشعار، وعلى الخجل الصعب لا على الطمأنينة السهلة.

الوعي القادم، إن كان يستحق اسمه، لن يحتفل بالنصر قبل أن يراه الناس في حياتهم، لا في البيانات. لن يعلن تفوقًا تكتيكيًا في منتصف الفوضى، ولن يطلب من غزة أن تصدق أن ما تعيشه انتصار مؤجل بينما أحياؤها تُمحى وبيوتها تتحول إلى خرائط رمادية. لن يصدر بلاغًا عاجلًا عن “إنجاز ميداني” فوق مدينة لم تعد تعرف أين تنام.
لن يتعامل مع الانتصار كمشهد سينمائي: انفجار في الخلفية، بطل يمشي ببطء، موسيقى تتصاعد، وصورة تُطبع لاحقًا على قمصان البازارات. ولن يقول: “انتصرنا رغم أنف العالم” بينما أم تبحث عن ابنها بين الخراب. ذلك ليس نصرًا. ذلك سوء أدب مع المأساة.
سيعرف أن النصر، كالحب، لا يُعلن بل يُعاش. ليس مانشيتًا، بل منظومة حياة. لا معنى لنصر لا يحمي الناس الذين يتحدث باسمهم. ولا قيمة لكرامة تتحول إلى كلمة فخمة تُعلّق فوق الجوع والخوف والبيوت المفتوحة على الهواء. لن يقنع أحدًا بأن الظلام نور مؤجل، ولا أن المذبحة ضريبة الكرامة، ولا أن خراب غزة فصل ضروري في قصيدة ملحمية كتبها شاعر ثمل بالرموز.
سيسمّي الأشياء بأسمائها. لن يقول “ارتقاء” حين يكون المعنى أن أطفالًا قُتلوا. لن يقول “العدو يترنح” قبل أن يحصي من ترنّحوا من أهله أولًا. لن يقول “الصورة أوصلت الرسالة” قبل أن يسأل: وهل بقي من أُرسلت الرسالة باسمهم أحياء بما يكفي كي يقرؤوا نتيجتها؟ ولن يحوّل الألم إلى مادة علاقات عامة، ولا الصمود إلى واجب مفتوح بلا سؤال عن الكلفة.
سيعرف، قبل كل شيء، أن العالم الذي يشاهد غزة تُسحق ثم يطالبها بضبط النفس ليس محكمة أخلاقية موثوقة. لكنه سيعرف أيضًا أن فشل العالم لا يمنح أحدًا حق العبث بحياة الناس. فلا الاحتلال يملك حق سحقهم باسم الأمن، ولا الفصيل يملك حق استدعائهم إلى الكارثة باسم التحرير. وبين هذين العنفين، ينبغي أن تبدأ اللغة الجديدة: من حماية الإنسان لا من استعماله، من الاعتراف بالخسارة لا من تجميلها، ومن خجلٍ كافٍ يمنع تحويل المقبرة إلى منصة خطاب.
إن إسرائيل بالغت كثيرًا في إراقة الدماء، ليس فقط كثمرة لعقيدة أمنية مذعورة، بل كتعبير فج عن اطمئنانها إلى عالم مبرمج على النسيان. كانت تمضي قدمًا كما لو أن التاريخ يُكتب عبر برمجية أوتوكاد، يمكن دائمًا مسح طبقاته القديمة وإعادة رسمه من جديد، من غير أن يلاحظ أحد أن المخطط كله صار مشوهًا، وأن الخطوط التي تبدو مستقيمة من بعيد تمر، في الحقيقة، فوق بيوت وأسماء ووجوه.
لكن الذاكرة، حتى حين لا تُنصف، تدوّن. لا في دفاتر المحاكم وحدها، ولا في بيانات المنظمات، بل في طبقات أعمق: في اللغة التي ستتغير، في الخوف الذي سيورث نفسه، في الشيفرة النفسية لأطفال لم يعودوا قادرين على تصديق العالم كما كان يُشرح لهم. إسرائيل قد لا تُحاسب اليوم، وقد لا تُعاقب غدًا، لكن ما تفعله لا يمر بلا أثر. هناك رصيد يتراكم، لا بوصفه وعدًا بثأر، بل بوصفه إفسادًا طويلًا للعالم الذي تظن أنها قادرة على العيش داخله بسلام.
التاريخ لا يتحرك بروح ديزني، ولا يستيقظ دائمًا على تغريدة من البيت الأبيض. لكنه يشبه أحيانًا رواية لدوستويفسكي: يتباطأ، يتعرج، يكدّس الشخصيات والاعترافات والجرائم الصغيرة، ثم يترك الجميع في النهاية أمام سؤال لا يعرفون كيف يتهربون منه. لا أحد يخرج بريئًا تمامًا من رواية طويلة كهذه، لا الجلاد، ولا الشاهد، ولا القارئ الذي ظن أن القراءة تعفيه من الموقف.
هناك جيل يتكوّن الآن، ليس في غزة فقط، بل في كل مكان تستبيحه إسرائيل ثم تطلب من العالم أن يسمي ذلك دفاعًا عن النفس. أطفال ومراهقون تشكلت ملامحهم على ضوء الحرائق لا ضوء القمر، وتعلموا العد لا من واحد إلى عشرة، بل من صوت طائرة إلى فقدان قريب إلى خبر عاجل جديد. جيل لم يفتح عينيه على شمس عادية، بل على ظلال الطائرات، وارتجاف الخيام، وصوت الزنانة وهي تشرح، بلغة معدنية باردة، أن السماء لم تعد فوقهم تمامًا.
نعم، ستتفاوت ردات أفعالهم. أحدهم سيهرب من كل شيء، وآخر سيحفر نفقًا في نفسه كي يرمم ما تبقى من إنسانيته، وثالث سيحاول أن يفهم قبل أن يكره، ورابع قد يذهب إلى الغضب لأنه لم يُترك له ما يكفي من اللغة. الألم لا يصنع كائنات نبيلة بالضرورة. لا شيء في الفقد يضمن الحكمة. لكنه، في المقابل، يترك معرفة صلبة يصعب محوها: أن ما حدث لم يكن سوء تفاهم، ولا خطأ عابرًا في إدارة القوة، بل نظامًا كاملًا يعرف ماذا يفعل ثم يطلب من ضحاياه أن يعتذروا عن صراخهم.
لكن شيئًا واحدًا قد يتسلل إلى وعيهم جميعًا: إسرائيل ليست قدرًا. ليست قانونًا طبيعيًا، ولا حقيقة أبدية، ولا مشروعًا فوق المساءلة. هي كيان سياسي وتاريخي صنع نفسه بالقوة، ويحاول أن يحمي صورته بالقوة، ثم يغضب حين يكتشف أن الصور لا تنسى بسهولة. وهذه المرة، على عكس مذابح كثيرة بقيت معلقة في روايات الناجين، فإن ما حدث موثق بدقة جارحة، مؤرشف في الخوادم، موزع على الشاشات، ومغروس في الذاكرة الرقمية للبشرية. لا في دفتر مؤرخ غلبه النعاس، بل في أرشيف لا يعرف الرحمة، ولا يمنح أحدًا نعمة الإنكار الكامل.
هؤلاء ليسوا الجيل الذي سيخوض النقاشات المعتادة بالطريقة ذاتها. لن يكفي أن يُقال لهم: مقاومة أم تفاوض، صمود أم تسوية، شرعية دولية أم حق تاريخي. هذه الثنائيات ستبدو لهم قديمة، مستهلكة، وأحيانًا مهينة. فهم أبناء زمن رأوا فيه الدمار بالسنتمتر، لا بالمجاز. أبناء خرائط “جوجل إيرث” وهي تتحول إلى سجل جغرافي للفقد، وأبناء بث مباشر جعل العالم شاهدًا كامل الحواس، ثم لم يمنعه ذلك من مواصلة حياته.
وهم يعلمون، بوضوح مخيف، أن العالم خذلهم. لكن المعرفة الأهم، إن نضجت ولم تتحول إلى عتمة أخرى، ستكون أن الخذلان لا يكفي وحده لبناء مستقبل. وأن إسرائيل، مهما بدت قادرة على تحويل القوة إلى واقع، لا تستطيع أن تمنع ذلك السؤال من العودة: أي عالم هذا الذي يسمح لطفل أن يكبر وهو يعرف أن حياته كانت تفصيلًا قابلًا للتفاوض، وأن بيته كان هامشًا في خريطة أمنية، وأن صوته لم يُسمع إلا حين صار جزءًا من أرشيف الكارثة؟
لقد صار واضحا، حتى لمن قاوم الوضوح طويلا، أن إسرائيل لم تكن يوما مشروعا أخلاقيا بالمعنى الذي حاولت تسويقه عن نفسها. كانت، في أفضل صورها المعلنة، وعدًا غربيًا مرتبكًا بتعويض ضحية على حساب ضحية أخرى. وفي صورتها الأكثر عريًا، كانت خللًا عميقًا في ضمير الحداثة: دولة ترتدي لغة القانون، وتتحرك بغريزة القلعة، وتطلب من العالم أن يصف فائض القوة لديها باسم الديمقراطية.
أما حماس، فلا يجوز اختصارها في صورة الشيطان الذي يريح إسرائيل، ولا في صورة الملاك التي تريح أنصارها. هي، بالأحرى، عرض مرضيّ في جسد طُعن مرارًا: مفهومة من حيث النشأة، مأزومة من حيث اللغة، وخطيرة حين تخلط بين حق مقاومة الاحتلال وحق التصرف بأجساد الناس الذين تزعم تمثيلهم. لم تكن وهمًا علاقاتيًا مثل “عملية السلام”، ولم تكن إعلانًا دعائيًا مشوشًا مثل “صفقة القرن”، لكنها لم تكن أيضًا برهانًا على أن كل ما يولد من الجرح يعرف كيف يشفيه.
أما اللاهوت السياسي، فسيجد نفسه مضطرًا إلى إعادة ترتيب مفرداته. لم يعد الحديث عن “العهد”، و”الأرض الموعودة”، و”الشعب المختار”، قادرًا على المرور كما كان، لا لأن العالم صار أكثر عدلًا فجأة، بل لأن فكرة الاختيار حين تُستعمل لتبرير القوة تنكشف لا أخلاقيًا فحسب، بل جماليًا أيضًا. يصبح القبح مرئيًا، فاضحًا، زائدًا عن حاجته إلى الشرح. من يتذرع بأنه مختار، غالبًا ما يمنح نفسه رخصة مبكرة لما لا يُغتفر.
والسيادة الإلهية في السياسة لم تعد كما تخيلها كارل شميت، حالة استثناء تُفعّل باسم المقدس وتمنح القرار هالة فوق قانونية. لقد تحولت، في هذا المشهد، إلى سؤال أكثر قسوة: ماذا يحدث حين يتكلم السياسي بلغة الإله، ثم يتصرف كمدير أمنيّ مذعور؟ وماذا يبقى من المقدس حين يصير غطاءً جماليًا للقوة، أو ديكورًا أخيرًا فوق غرفة عمليات؟
في العقل السياسي الغربي، هناك مفهوم مركزي عن “احتكار العنف المشروع”، كما صاغه ماكس فيبر في تعريف الدولة الحديثة. لكن إسرائيل، في عيون الوعي القادم، لم تعد تجسيدًا نقيًا لهذه الفكرة، بل تشويشًا عليها. فهي تدّعي احتكار العنف باسم الشرعية، ثم تستهلك هذه الشرعية بالإفراط نفسه. تتصرف كما لو كانت إلهًا صغيرًا: توزع الموت، وتخترع الحكايات، وتحوّر السرديات، ثم تغضب حين لا يصفق لها الضحايا على أناقة التفسير.
لكن المجازر، مهما طالت، لا تُنهي الحكايات. إنها، على العكس، تفسد قدرة القاتل على التحكم بنهايتها. قد يستطيع أن يسيطر على الأرض، وعلى الجو، وعلى المعابر، وعلى الصورة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يضمن ما ستفعله الذاكرة حين تكبر في صدور الذين نجوا، ولا ما ستفعله اللغة حين تكتشف أن أسماء الأشياء القديمة لم تعد تكفيها.
كانت حماس، بهذا المعنى، التجربة الكبرى الأخيرة للنمط القديم من النضال: ذلك النمط الذي أصرّ على تسمية نفسه “مقاومة” حتى حين لم يعد قادرًا على حماية الناس الذين يتحدث باسمهم. بعدها، إن ظهر نمط آخر، فلن يكون ابنًا شرعيًا لحماس، بل ابنًا شرعيًا لهذه المأساة نفسها. سيتعلم من خطب القادة الذين يصرخون في الهاوية، ومن البروباغندا التي تبكي على الهواء ثم تذرف اتفاقياتها في السر، ومن الشعوب التي تهتف في النهار وتنسى بحلول المساء. سيتعلم، قبل كل شيء، من غزة وهي تُترك وحدها لتدفع ثمن البلاغة.
لقد رأى هذا الجيل بأم عينيه كيف جرى التنكيل، لا بالجسد فقط، بل بالمعنى، بالرمز، وبحق الإنسان في ألا يتحول إلى مادة في خطاب أحد. رأى كيف يمكن لفصيل أن يتكلم باسم الناس ثم يطلب منهم أن يتحملوا كلفة قرار لم يصنعوه. ورأى، في المقابل، كيف يستطيع العالم أن يشاهد الكارثة كاملة ثم يتصرف كأن أقصى واجباته أن يصدر بيانًا متوازنًا قبل العشاء.
لذلك، لن تكون اللغة القادمة، إن نضجت، مجرد نسخة أكثر حداثة من شعار “المقاومة”. لن تطلب دعمًا من الشاشات كما لو أن الشاشة جبهة، ولن تراهن على شعور العالم بالذنب كما لو أن الذنب سياسة. ولن تمارس على الناس ذلك الابتزاز العاطفي الذي أتقنه إعلام كثير يتظاهر بأنه مع غزة: أن يطلب من المشاهد أن يبكي، ثم يخلط بكاءه بالفعل، وأن يظن أن تأثره الشخصي يغير شيئًا في حياة المحاصرين.
الفصل القادم، إن كان سيستحق اسمه، سيبدأ من رفض هذه المسرحية كلها: مسرحية القائد الذي يحوّل الخسارة إلى وعد، والإعلامي الذي يحوّل الوعد إلى مقطع، والجمهور الذي يحوّل المقطع إلى طقس طهارة مؤقت. سيعرف أن العالم، حتى حين يشعر بالذنب، لا يتصرف غالبًا إلا كقاتل مرتبك: يأسف، يشرح، يوازن، ثم يواصل ترتيب الطاولة.
لكن المعرفة الأهم لن تكون أن العالم خذل غزة. هذه صارت بديهية مُرّة. المعرفة الأشد قسوة ستكون أن خذلان العالم لا يبرر خذلان غزة من داخلها، وأن فشل الخارج لا يمنح الداخل حق التصرف بأهلها كأنهم رصيد مفتوح في بنك التضحية. هنا، بالضبط، تبدأ اللغة الجديدة: من رفض أن يُستعمل الفلسطيني مرتين، مرة كضحية في آلة الاحتلال، ومرة كرمز في آلة الخطاب.
وحين يسألك أحدهم يومًا: من هؤلاء؟ فلا تقل إنهم طوفان جديد، ولا لعنة مؤجلة، ولا معادلة كونية جاءت لتصحح نفسها بالعنف. قل فقط إنهم أبناء معرفة قاسية: عرفوا مبكرًا أن الظلم، حين يطول، لا يترك الناس كما كانوا؛ وأن الخذلان، حين يتكرر، لا يصنع بطولة بالضرورة، لكنه يغيّر شكل النظر إلى العالم.
ما يتراكم الآن ليس في مخازن الأسلحة، بل في الذاكرة. في نظرات الأمهات، في صمت الأطفال الذين تعلموا أن الخريطة ليست رسمًا محايدًا، وأن السماء قد تكون أحيانًا مصدر خوف، لا فضاءً مفتوحًا للحلم. هذه الطاقة لا ينبغي أن تُقدَّس، ولا أن تُترك لتتحول إلى لعنة. ينبغي أن تُفهم أولًا: كجرح طويل يبحث عن لغة لا تخونه مرة أخرى.
الفصل القادم، إن كان يستحق اسمه، لن يبدأ بالشعارات، ولا بانتصار يعلن نفسه قبل أن يجد الناس سقفًا ينامون تحته. لن يبدأ من “الله أكبر” وقد لا يمانع أن ينتهي إليها، وسيبدأ من سؤال أكثر تواضعًا وأشد إزعاجًا: كيف يمكن لشعب أن يدافع عن نفسه من غير أن يُستعمل أبناؤه مرتين، مرة في آلة الاحتلال، ومرة في آلة الخطاب؟
ليسوا جيل القادة الملهمين، ولا المتحدثين باسم الفضائيات، ولا صُنّاع البيانات التي تُلقي فوق الخراب قماشة بلاغية نظيفة. لن يعقدوا مؤتمرًا صحفيًا على أنقاض بيوتهم، ولن يشرحوا مظلوميتهم إلى ما لا نهاية أمام عالم أتقن فن الإصغاء الكسول. لكنهم، إن تعلموا شيئًا من هذا كله، فسيتعلمون أن الأرض ليست مجرد خريطة في غرفة حرب، ولا مسرح عمليات، ولا مادة تصلح لتدريب النظريات. الأرض بيت أولًا. والبيت، حين يُنسى في اللغة، تتحول كل السياسة إلى هندسة للخراب.
سيعرفون أن الأمم لا تنهض بتقديس الضحايا، ولا بتحويل الدم إلى رأس مال رمزي، ولا بتكرار الماضي كأنه تعويذة. تنهض حين تتعلم كيف تحمي أبناءها من عدوها ومن أوهامها في الوقت نفسه. حين تفهم أن الذاكرة لا تكفي إن ظلت مأتمًا مفتوحًا، وأن الكرامة لا تكتمل إذا ظلت تطلب من الناس أن يموتوا كي تثبت أنها موجودة.
سيكون الفصل القادم، إن جاء، بلا غلاف إعلامي فاخر. بلا لافتات براقة، ولا مونتاج يخفف قسوة المشهد، ولا موسيقى تسرق من الفقد صمته. سيكون، في أحسن احتمالاته، بداية لغة أكثر صدقًا: لغة لا تجعل غزة أيقونة قبل أن تراها مكانًا، ولا تجعل أهلها رموزًا قبل أن تعترف بهم كبشر، ولا تطلب منهم أن يظلوا صاخبين في جنازاتهم كي يشعر الآخرون أن التاريخ لا يزال يتحرك.
وربما تكون أولى علامات الفصل القادم، إن اقترب، ليست تفوقًا عسكريًا ولا حراكًا سياسيًا معلنًا، بل لحظة وعي عميقة وقاسية: أن أحدًا لم يكن يرانا حقًا. أننا، رغم كل هذا التوثيق، كنا في كثير من الأحيان هامشًا في دفتر هذا العصر، مادةً بين إعلانين، خبرًا قابلًا للتمرير، وصورةً تُستدعى حين يحتاج العالم إلى اختبار قصير لضميره ثم تُترك في الأرشيف.
سيعرف أبناء هذا الفصل أن نكبتهم لم تكن فقط في الطرد، ولا مأساتهم فقط في الحصار والقصف والحرق، بل في تلك المعرفة الأشد إهانة: أن أحدًا لم يهتم بما يكفي. لا بما يكفي ليمنع، ولا بما يكفي ليخجل، ولا حتى بما يكفي ليصغي بلا شروط. وهذه المعرفة، إن لم تتحول إلى عتمة جديدة، قد تصبح بداية وعي لا يشبه الخطب. وعي يعرف أن الألم وحده لا يكفي، وأن الفجيعة إذا لم تُفهم قد تتحول إلى وقود لمن سيستعملها مرة أخرى.
لهذا لن يبدأ الفصل القادم بإعلان. لن يحتاج إلى شعار كبير ولا إلى صورة مصممة بعناية. سيبدأ، إن كان له أن يبدأ، من صمت مختلف: لا صمت الهزيمة، ولا صمت الرضا، بل صمت من اكتشف أن اللغة القديمة خانته. صمت يسبق إعادة تسمية الأشياء: الاحتلال احتلال، والخذلان خذلان، والخطأ خطأ، والتضحية التي لم يخترها أصحابها ليست بطولة بل مصادرة مؤجلة لأرواحهم.
وحين يخرج أبناء هذا الفصل من تحت الركام، لن يكونوا مجرد ناجين، ولا ينبغي لنا أن نطلب منهم أن يكونوا أبطالًا كي نستطيع احترامهم. يكفي أن يكونوا بشرًا خرجوا من تجربة كان العالم يفضّل أن يراها رمزًا لا حياةً حقيقية. ولن يجيئوا حاملين شعار النصر أو الموت، بل ربما سؤالًا أقل صخبًا وأكثر رعبًا لمن اعتادوا إدارة المأساة من بعيد: كيف يمكن أن نعيد تشكيل السياسة بحيث لا يُضحّى بالإنسان كلما احتاج الخطاب إلى معنى؟

قد يكون مغريًا، هنا، أن نستدعي حكايات الإنكا عن الأرواح التي تعود عبر آلهة الغضب كي تعيد التوازن، أو الزرادشتية حين تجعل العالم مسرحًا لصراع طويل بين النور والظلام. هذه الاستدعاءات تمنح الخراب هندسة جميلة، وتضع الألم داخل دورة كونية تبدو، من بعيد، أقل عبثًا. لكنها أيضًا قد تكون خطرة، لأنها تريحنا أكثر مما تكشف. فما يجري في غزة ليس فصلًا في أسطورة تبحث عن إغلاق دائرتها، ولا مشهدًا معدًا بعناية كي يظهر بعده معنى أكثر صفاءً. إنه، قبل أي شيء، خراب بشري محدد، بفاعلين محددين، وبضحايا لا ينبغي تحويلهم إلى عناصر في لوحة ميتافيزيقية متقنة.
ليس المطلوب أن نمنح المأساة قوسًا أسطوريًا كي تصير محتملة. ربما يكون العكس هو الأصدق: أن ننتزعها من الأسطورة قليلًا، من فكرة الدورة، والتوازن، والقدر الذي يكتب ببطء، ونتركها في فجاجتها العارية. فالخطر في الحديث عن “دائرة جديدة” و”توازن قادم” أنه يجعل الألم يبدو وكأنه كان تمهيدًا ضروريًا لشيء أعلى. وهذا بالضبط ما ينبغي مقاومته. لا أحد يحق له أن يحوّل خراب الناس إلى مقدمة أدبية لفصل أجمل.
إن كان هناك فصل قادم، فلن يكون لأن القدر كتبه بتأنٍ شديد، ولا لأن الكون احتاج إلى خلفية دامية كي يفتح دائرة أكثر عدلًا. سيكون، إن جاء، نتيجة بشرية متعبة: تراكم وعي، وانكشاف لغة، وسقوط أوهام، ورفض متأخر لأن يُستعمل الفلسطيني مرة أخرى باسم الاحتلال أو باسم خلاصٍ لا يستأذنه. لا نحتاج إلى آلهة غضب كي نفهم ذلك. يكفي أن نرى ما يحدث حين يدرك الناس، أخيرًا، أن الأسطورة نفسها قد تكون أحيانًا طريقة مهذبة لتجميل ما لا يُجمّل.
غزة، اليوم، لا تسأل السماء أن تشرح نفسها. ربما تعبت من الشروحات أصلًا. تعبت من الإله حين يتحول إلى ذريعة، ومن الخطيب حين يتحول إلى مترجم رسمي للصمت، ومن القائد حين يخطئ ثم يترك للأمهات مهمة إنتاج المعنى من بين الركام. تعبت من كل من يأتي متأخرًا حاملًا مفتاحًا بلاغيًا لخراب لم يفتحه، ولم يعلق داخله، ولم يدفع ثمنه.
ولذلك لم يعد السؤال: هل سيأتي الطوفان القادم؟
السؤال الأكثر قسوة هو: هل سيتعلم القادمون ألا يسمّوا كل طوفان خلاصًا؟
فبعض الطوفانات لا تطهّر. بعضها يترك الطين أعلى من الأرواح. وبعضها يكشف، بعد انحساره، أن نوحًا لم يكن على السفينة، وأن الذين اعتقدوا أنهم يقودونها كانوا يثقبونها من الداخل وهم يقرأون الأدعية بثقة كاملة. وهذه، ربما، أقسى صور الفشل: أن لا يكون الخراب ناتجًا عن غياب الإيمان، بل عن فائض يقين لم يتعلم كيف يخاف على الناس.
ولعل البداية الجديدة، إن جاءت، لن تبدأ من شعار، ولا من بيان، ولا من وعد آخر بالنصر. ستبدأ من خجل أخلاقي عميق. من اعتراف متأخر بأن القضية العادلة لا تعفي أصحابها من الامتحان، وأن الاحتلال لا يمنح خصومه براءة تلقائية، وأن السماء، إن كانت موجودة وتتابع، لا تبدو متحمسة كثيرًا لتصحيح بياناتنا الصحفية.
وربما لهذا تحديدًا، صار واجبًا أن نكف عن انتظار المعجزة، وأن نبدأ بمحاسبة الذين يبيعوننا فشلهم في عبوات مقدسة. الذين يحوّلون الخسارة إلى حكمة، والحسابات الناقصة إلى ابتلاء، وأهل غزة إلى مادة رمزية في سردية لا تمنحهم حق الاعتراض على نهايتها.
ولو استعرنا من إسحاق عظيموف سؤاله الأبسط والأقسى: هل سيبقون على قيد الحياة؟ فإن غزة لا تطرحه اليوم بوصفه سؤال خيال علمي، بل بوصفه سؤالًا يوميًا عاريًا من الزينة. لا تسأل فقط عن بقاء الأجساد، بل عن بقاء المكان، والذاكرة، والمعنى، وعن إمكانية أن يخرج الفلسطيني من هذه الكارثة دون أن يُستعمل مرة أخرى، لا من عدوه ولا من خطابه.
وهذا، ربما، هو السؤال الأصعب.
ولعله، ببساطة، البداية الجديدة.
محمد عبد القادر الفار

أضف تعليق